الأخبارالأدب والفنالصومالالقرن الأفريفيتاريخ وحضارةثقافة واجتماعمقالات الرأيوجهات نظر

في رثاء الدكتور علي جمعاله… الغائب الحاضر، الذي لم ينقطع وصاله

الغياب ليس دائمًا يعني الانفصال الكامل، والحضور لا يرتبط فقط بالقرب الجسدي وهناك من يبتعد جسديًا، لكن أثره يبقى حيًا في الأفكار والكلمات والذاكرة. الدكتور علي جمعاله، الأكاديمي المتميز والمؤرخ والكاتب، كان من هؤلاء الأشخاص. رغم بعد المسافات والغربة، لم تنقطع صلته، بل ظل حاضراً في المعنى، وأثره ثابت وكأنه لم يغادر أبدًا . لم يكن اهتمامه بالصومال  مجرد موضوع عابر، بل كان التزامًا عميقًا استمر لعقود طويلة، حتى مع بعد المسافة وقضاءه وقتًا طويلاً في الغربة. لذلك، وصفه بـ”الغائب الحاضر” لم يكن مجرد تعبير بل حقيقة عايشها طوال حياته، حيث ظل الوصال مستمرًا رغم الغياب الطويل .

ليس كلُّ باحثٍ يترك أثرًا، ولا كلُّ أثرٍ يُدرك. بعضُهم يمرّ في الحقول العلمية كما هي، وبعضُهم يُعيد ترتيبها في صمت وكان الدكتور علي جمعاله من هؤلاء القلّة الذين لا يكتفون بالإسهام، بل يُغيّرون زاوية النظر ذاتها وبرحيله، لا يغيب اسمٌ أكاديمي فحسب، بل اختفت نبرةٌ كانت تُصرّ على أن يُقرأ الصومال كما هو، لا كما صُوِّر له.

ينتمي جمعاله إلى جيلٍ تفتّح وعيه في منعطفٍ دقيق: أواخر العهد الاستعماري، وبواكير الدولة الوطنية وكان ذلك زمنًا لم يكن فيه التعلّم ترفًا فرديًا، بل التزامًا عامًا، تكاد تنهض به جماعةٌ كاملة، في تلك المرحلة، لم تكن الجامعة الوطنية الصومالية مجرّد مؤسسة تعليمية، بل فضاءً تُصاغ فيه الأسئلة الكبرى: من نحن؟ وكيف نكتب أنفسنا؟ ومن ذلك المناخ، خرج جمعاله ولم يكن انتقاله من مقديشو إلى الأوساط الأكاديمية العالمية مجرّد مسارٍ دراسي، بل امتدادًا طبيعيًا لعقلٍ تدرّب على مساءلة السائد. وفي رحلته من لوس أنجلوس إلى نيويورك، لم يتغيّر موقع السؤال، بل اتّسع مداه. وكان حضوره المبكر في موقعٍ أكاديمي متقدّم دالًا على وضوح مشروعه، لا على سرعة مساره.غير أن مكانته لا تُقاس بالألقاب.

عكف جمعاله على مسألةٍ ظلّت طويلًا تُؤخذ كأمرٍ مسلّم: كيف كُتب تاريخ الصومال؟ ومن الذي صاغ روايته؟ في كتابه “اختراع الصومال”، لم يأتِ ليرفض ما كُتب، بل ليكشف حدوده، ويُبيّن كيف تشكّلت صورة بلدٍ كامل عبر عدساتٍ لم تكن بريئة ولم يكن ذلك تفنيدًا بقدر ما كان إعادة فتحٍ للسؤال، ورغم أنه لاقى من المعارضة مايكفي إلا أنه فتح باباً مهما في تأريخ التاريخ الصومالي المعاصر.

وفي كتابه “الفجر قريب: الأدب، والعشيرة، والدولة القومية في الصومال”، ذهب أبعد من ذلك، حين لم يقبل الفصل بين ما هو ثقافي وما هو سياسي، ولا بين الأدب وبنية المجتمع. كان يرى أن اللغة ليست وسيلة تعبير فحسب، بل وعاء معرفة، وأن الذاكرة الشفوية ليست أثرًا من الماضي، بل نظام فهم قائم بذاته، ومن هنا جاء ثقل مشروعه ووضوح اتجاهه ولم يكن معنيًا بتبسيط الصورة، بل بتعقيدها حيث يجب، ولم يكن يسعى إلى الراحة الفكرية، بل إلى الدقّة وقد أعاد، بهذا المعنى، الاعتبار لتعدّد الداخل الصومالي، في لغاته وثقافاته ومساراته، رافضًا تلك الصياغات التي تختزل مجتمعًا كاملًا في صورةٍ واحدة وكان من القلائل الذين تعاملوا مع الأدب الصومالي بوصفه أرشيفًا حيًا، لا مادةً فولكلورية. فكان يرى أن الشعر، والنثر، والسرد، والأمثال الشعبية، والتقاليد الشفوية الأخرى ليست زينةً ثقافية فحسب، بل أدوات إدراك، بها يُفكّر المجتمع في نفسه، ويُعيد صياغة موقعه في العالم.

ولم يقتصر أثره على ما كتب، بل درّس وأشرف علي بحوث مهمة في الصياغ ذاته؛ فقد أدرك أن المعرفة لا تستقرّ بجهد الأفراد وحدهم، بل تحتاج إلى مؤسساتٍ تحملها وتُراكمها. فكان حاضرًا في تحريرها، ومشاركًا في توجيهها، على نحوٍ لا يلفت النظر بقدر ما يضمن الاستمرار. وهو من أوائل من أوائل من استعادوا سردية “الدراسات الصومالية” من المستشرقين الأجانب وأما من عرفوه، فيذكرون أنه كان رجلًا هادئًا، لا يرفع صوته، لكن فكرته تبلغ يتصف بتواضع عفوي، لا يلغي الصرامة، وهدوءٌ لا يُخفي يقينًا راسخًا وينتمي الدكتور علي جمعاله إلى جيلٍ لم ينظر إلى الصومال من مسافة، بل عاش تحوّلاته الكبرى: من إرث الاستعمار، إلى أمل الدولة، إلى تعثّرها، ثم إلى تشتّت أبنائها في المنافي. وفي خضم ذلك، ظلّ سؤاله قائمًا: كيف نفهم أنفسنا دون استعارة مرآة غيرنا؟

لم يكن مجرّد باحثٍ في الدراسات الصومالية، بل كان من الذين أعادوا تعريف ما ينبغي أن تكون عليه، برحيله، لا تُطوى صفحة، بل يبقى أثرٌ يصعب تجاوزه، ويبقى سؤاله قائمًا يحتاج إلى جواب: كيف نفهم أنفسنا دون أن نستعير نظرة غيرنا؟

رحم الله الفقيد وأسكنه الفردوس

محمد حاج

كاتب دبلوماسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى