الرئيسية / التقرير الشهري / الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا: قراءة في الخلفيات واستشراف المآلات

الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا: قراءة في الخلفيات واستشراف المآلات

· مقدمة

لقراءة النسخة العربية للتقرير بصيغة بي دي إف اضغط هنا

لقراءة النسخة الصومالية للتقرير بصيغة بي دي إف اضغط هنا

النزاع الحدودي بين الدول المتجاورة أمر طبيعي وواقع لا يمكن تجاهله؛ فهناك تداخل بين القبائل والقوميات التي فصل فيها المستعمر بين الأسرة الواحدة ومزق النسيج الاجتماعي في القارة السمراء تحقيقا لمصالحه ووضع الملح على الجرح النزيف، وعلى عادته اصطف المستعمر البريطاني مع كينيا ضد الصوماليين على غرار ما فعله لصالح أثيوبيا على حساب الصومال، وضم أجزاء كبيرة من الأراضي الصومالية إلى كينيا وإثيوبيا على طبق من ذهب، ولم يعترف الصومال بتركة حدود المستعمر الغربي؛ حيث تحفظ على هذا النص من ميثاق الاتحاد الأفريقي إلى جانب المغرب (1).

افتعلت كينيا أزمة دبلوماسية مع الصومال، وأقدمت على خطوة تصعيدية في العلاقات الثنائية بين البلدين وذلك باستدعاء سفيرها من مقديشو للتشاور وطالبت السفير الصومالي في نيروبي بمغادرة أراضيها على خلفية انزعاجها من عقد الحكومة الصومالية مؤتمرا في لندن لعرض وترويج حقول نفطية في المياه الصومالية (2). وتنازع كينيا الصومال في مياهه الإقليمية إذ لا توجد معاهدة ترسيم حدود بين البلدين؛ ووصل النزاع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي عام 2014م.

اندهش الرأي العام من الخطوة الكينية واشتراطها اعتذار الصومال لإعادة العلاقات إلى سابق عهدها وتهديدها بفرض عقوبات على الصومال، ولم يصدق كثير من المواطنين أن كينيا التي كانت تهاب الصومال تقوم بخطوة من هذا القبيل (3)، ويرجع سبب الأزمة إلى التقارير التي تشير إلى امتلاك الصومال معادن ومخزون نفط هائل في الجرف القاري، فبعض الدراسات تقول أن الصومال يحتل المرتبة 20 إذا نظر إلى النفط في اليابسة أما إذا أضيف إليه الاحتياطات الموجودة في الجرف القاري فيحتل الصومال في المرتبة السابعة (4).

مسلسل الإساءات الكينية

سبق أن قامت كينيا بإيقاف المستشار الصومالي السابق في السفارة الصومالية بنيروبي لعدة ساعات في مايو 2014 في خرق واضح لاتفاقية فينَّا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، وقد احتج الصومال على الخطوة الكينية آنذاك واستدعى سفيره من كينيا حتى اعتذرت الأخيرة عن فعلتها المشينة (5)، ولم يتوقف مسلسل الإساءات تارة بإهانة الجالية الصومالية في كينيا بالسجن والترحيل القسري والتعسف في استخدام القوة حتى ضاقت بهم السجون فجعلت من الساحات العامة وملاعب كرة القدم معتقلات للنساء والأطفال والشيوخ وتدمير أعمدة شركات الاتصالات الصومالية وتارة في بناء جدار عازل بالحدود؛ ولم تحرك الحكومة الصومالية ساكنا ووقفت موقف المتفرج حتى صعدت كينيا من خطواتها واحتجزت عدد من أعضاء مجلس الشعب الصومالي، كانوا متوجهين إلى تركيا بصحبة رئيس الوزراء السابق، مما يشكل خرقاً لاتفاقيات التفاهم المشترك بين مقديشو ونيروبي فضلا عن الأعراف الدبلوماسية، واكتفى الصومال حينها بتقديم احتجاج رسمي إلى نظيرتها الكينية (6).

أصل نزاع الحدود البحرية

يرجع تاريخ القضية إلى 2005 عندما غيرت كينيا مسار خط الحدود البحرية من جانب واحد خلافا للخط الحدودي البري بين البلدين، محاولة الاستفادة من ظروف الصومال وعدم وجود معاهدة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين وإيداعها لدى الأمم المتحدة، وبعد أن تنبه على الإجراءات الكينية وإصرارها في احتلال جزء من المياه الإقليمية اضطر الصومال بعد استنفاذ حل القضية بالمفاوضات إلى تقديم دعوى قضائية ضد كينيا لمحكمة العدل الدولية في لاهاي لتحريف مسار الخط البحري الفاصل بين الحدود البحرية الصومالية – الكينية وذلك بتاريخ 28 أغسطس 2014؛ وقد عقدت أول جلسة استماع للمحكمة في المدة من 19-23 سبتمبر 2016، وقدم الصومال وثائقه التي تثبت الحد البحري الصحيح غير أن كينيا رفضت منذ البداية التحكيم الدولي وسعت إلى ثني الصومال عن اللجوء للقضاء الدولي مفضلة الوصول إلى تسوية خارج التحكيم، وهو ما فشلت كينيا فيه إذ لا يمكن للصومال التنازل عن شبر من حدود إقليمه؛ واعترضت كينيا على اختصاص المحكمة للنظر في النزاع متذرعة بمذكرة التفاهم بين الصومال وكينيا في عام 2009 حول تمديد الجرف القاري، وأعلنت المحكمة في 2 فبراير 2017 رفضها الاعتراض الكيني وأكدت اختصاصها في النظر بالقضية المرفوعة من الصومال (7).

يتم ترسيم الحدود البحرية بين الدول حسب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 ووفقا للمادة 15 التي تنص “عندما تكون سواحل الدولتين متقابلتين أو متجاورتين لا يحق لأي من الدولتين – في حالة عدم الاتفاق بينهما على خلاف ذلك – أن يمدد بحره الإقليمي إلى ما وراء خط الوسط؛ حيث تتساوى كل نقطة من أقرب نقطة على الأساس الذي يقاس منه اتساع البحار الإقليمية لكل من الدولتين. ومع ذلك، لا ينطبق الحكم المذكور أعلاه، عندما يكون ذلك ضروريًا بسبب السند التاريخي أو ظروف أخرى خاصة، على تعيين البحار الإقليمية للدولتين بطريقة تختلف عن ذلك” وهذا يعني أنها امتداد طبيعي للحدود البرية بالنسبة للدول المتلاصقة أما الدول المتقابلة يتم تحديد خط الوسط بينهما على أساس مبدأ البعد المتساوي والذي يعني أن يكون خط الحدود ما بين البحرين الإقليميين للدولتين المتقابلتين على ذات البعد من خط الأساس المعتبر لكل منهما بداية للبحر الإقليمي لإحدى الدولتين المعنيتين.

قانون البحار لعام 1982

الصومال طرف في معاهدة البحار لعام 1982 ضمن أكثر من 160 دولة موقعة ومصادقة على هذه الاتفاقية التي تمخضت عن المؤتمر الثالث للأمم المتحدة الذي بدأ في نيويورك في عام 1973 لصياغة قانون دولي للبحار واستمر حتى 10 ديسمبر 1982 في مونتيفيو باي بجاميكا، وسبق عقد مؤتمرين دوليين في جينيف في كل من عام 1958 و1960 ولم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي إلا في عام 1982 في المؤتمر الثالث للأمم المتحدة بشأن قانون البحار، وقانون البحار هو معاهدة دولية تحدد الحقوق والمسئوليات للدول في كيفية استعمال مياهها واستغلال ثرواتها البحرية وتؤسس قواعد تنظم التجارة والأعمال وحماية البيئة ومصادر الحياة البحرية والبيئة البحرية (8).

مصطلحات بحرية مهمة

· خط الأساس

أقصى نقطة على اليابسة على تماس مع المياه، وهو الخط المعياري الذي يكون الأساس في قياس المسافات البحرية .

· المياه الداخلية

جميع المياه والممرات المائية على جانب اليابسة من خط الأساس، لا يحق للسفن الأجنبية حق المرور في المياه الداخلية؛ لأنها تعد وكأنها جزء من اليابسة.

· المياه الإقليمية

تمتد من خط الأساس 12 ميل بحري ( 22 كلم ) ويحق للسفن الأجنبية فقط حق المرور البريء، ومن الطبيعي أن للدولة صاحبة البحر الإقليمي أن تسن من القواعد واللوائح ما تراه مناسبا لحفظ الأمن و سلامة الملاحة ومنع التلوث.

· المنطقة المتاخمة

تمتد المنطقة المتاخمة 12 ميلا بحريا (22 كلم ) خارج البحر الإقليمي للدولة مباشرة؛ تبدأ حيث ينتهي البحر الإقليمي أو بعبارة أخرى فان نهاية المنطقة المتاخمة هي 24 ميلا مقاسة من خطوط الأساس .

· المنطقة الاقتصادية الخالصة

هي المنطقة خارج المياه الإقليمية أو البحر الإقليمي لكل دولة ساحلية وتقاس من خط الأساس بعرض لا يزيد عن 200 ميل بحري ( 370 كلم ).

·  الجرف القاري

 هو الرصيف الملاصق لأرض الدولة وذلك حتى نهايته أو حتى عرض 200 ميل بحري من خطوط الأساس، و في حالات امتداد الجرف إلى أكثر من ذلك فأقصى حد هو 350 ميلا بحريا من خطوط الأساس، ويكون للدولة الساحلية حقوق سيادية على جرفها القاري تتمثل في استكشاف واستغلال الموارد غير الحية مثل النفط والغاز والمعادن، بالإضافة إلى إجراء البحوث العلمية.

· أعالي البحار

تشمل جميع المياه عدا المياه الإقليمية، ويسميها الجغرافيون بالمياه الدولية أو الحرة ولا تدخل أعالي البحار في ملكية أحد ولا تخضع لسيادة دولة أو دول معينة من غيرها ويسود فيها مبدأ حرية أعالي البحار الذي يشمل حرية الملاحة، حرية الصيد، حرية مد الأسلاك والأنابيب تحت الماء وحرية الطيران (9).

مذكرة التفاهم حول الجرف القاري لما وراء 200 ميل بحري بين البلدين

قررت الأمم المتحدة في عام 1997 توسيع الجرف القاري للدول الأعضاء في معاهدة قانون البحار عن 200 ميل بحري، وطلبت من الدول الأعضاء تقديم مستنداها لاعتماد الزيادة البالغة 150 ميل بحري وحددت 13 مايو 2009 كآخر موعد لتلقي الطلبات إلى مفوضية الأمم المتحدة لحدود الجرف القاري (10)، ودعت الأمم المتحدة إلى ترسيم الحد البحري بين الدول الساحلية، واشترطت المفوضية لاستلام الوثائق عدم اعتراض كل دولتين ساحليتين على الأخرى لاستلام الوثائق وزيادة الجرف القاري مؤكدة أنها غير معنية بترسيم الحدود بين الدول. أول دولة قدمت وثائقها للجنة كانت روسيا في 2001 وفي غضون عشر سنوات بلغ عدد الدول المقدمة لوثائقها 11 دولة ومع انتهاء المهلة قدمت 40 دولة أخرى ( منها الصومال وكينيا ) وثائقها ليبلغ المجموع 51 دولة (11).

 ولتحقيق هذا المسعى وفي عهد إدارة الرئيس السابق شريف شيخ أحمد ورئيس حكومته آنذاك عمر شَرْمأركي إبان المرحلة الانتقالية، وقَّع السيد عبد الرحمن عبد الشكور ورسمة وزير التخطيط والتعاون الدولي وقتها مذكرة تفاهم تنفيذا لقرار مجلس الوزراء ممثلا عن الحكومة الصومالية وذلك بصرف النظر عن عدم وجود معاهدة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وحسب القانون الدولي فإن عدم وجود معاهدة ترسيم الحدود بين الدول يعد مشروع نزاع حدودي قد يتطور إلى نزاع حدودي إن لم تحل المسألة بالتسوية الثنائية أو الإقليمية وحينها يكون التحكيم الدولي هو الملاذ الأخير.

·      تفسير مذكرة التفاهم

·       التفسير القانوني

 أوضحت محكمة العدل الدولية وضع مذكرة التفاهم بين الصومال وكينيا في القانون الدولي وتفسيرها بشكل جلي؛ حيث أصدر قضاة المحكمة قرارهم في 2 فبراير 2017 بأن المذكرة تعد معاهدة دولية مستوفية لأركان الاتفاقيات الدولية وذلك لأن من وقعها له الأهلية، وقد نصت على دخولها حيز التنفيذ فور توقيعها ولم يتم اشتراط تصديق البرلمان عليها مشددين أن النية من هذه الاتفاقية زيادة الجرف القاري لكل دولة لما وراء 200 ميل بحري وليس ترسيم الحدود بين البلدين، وعليه لا تعني المذكرة تنازل أو تفريط الصومال أو كينيا بالحقوق المكفولة بل كانت خطوة في الاتجاه الصحيح ومنسجمة مع مبادئ القانون الدولي.

 وبالفعل تم إيداع طلب الصومال المبدئي والمرفق به معلومات أولية فيما يتعلق بمد حدود الجرف القاري مسافة 150 ميلا لدى لجنة حدود الجرف القاري التابعة للأمم المتحدة وبموجبه كسبت الصومال 150 ميل بحري إضافي بمساعدة فنية ولوجستية من النرويج التي تسعى للفوز بالامتيازات للتنقيب عن البترول في المياه الصومالية.

·       التفسير السياسي

في سياق تسييس كل شيء في الصومال لأغراض في نفس يعقوب أثارت مذكرة التفاهم ضجة ولغطا كبيرا وسجالا سياسيا لم ينته صداه بعد، وأصبحت المياه الإقليمية الصومالية قضية مشتعلة وسمعنا قصص وحكايات بيع البحر وكأن البحر سلعة في دكان! ولفهم ملابسات الشأن الشائك في البحر الصومالي نشير إلى ما يلي:

أولا : لا يوجد رابط بين تحريف كينيا لخط الحدود البحري من جانب واحد ومذكرة التفاهم حول مد الجرف القاري لما بعد 200 ميل بحري، فهما قضيتان منفصلتان؛ حيث يعود تحريف الخط الخارجي الفاصل لعام 2005 وزيادة الجرف القاري يعود إلى 2009 لتحقيق الزيادة لكل من الدولتين أسوة بالدول الأخرى، ولا يعقل أن يوافق مجلس الوزراء على بيع مياهه الإقليمية لدولة أخرى، وفي هذا المجلس كوكبة من الوزراء من خيرة أبناء الصومال علما أن 4 منهم استشهدوا في التفجير الآثم الذي استهدف فندق شامو في نهاية 2009م.

ثانيا : لم تحمل نص وروح مذكرة التفاهم تنازلا عن شيء أو ترسيم حدود وإنما كرست فقط لغاية واحدة وهي توسيع الجرف القاري لكل دولة كإجراء اعتيادي لأي دولتين متشاطئتين كما أوضحت ذلك محكمة العدل الدولية في قرارها الصادر بتاريخ 2 فبراير 2017، حيث لم يشفع لكينيا احتجاجها بمذكرة التفاهم وبالتالي طعنها بعدم اختصاص المحكمة في البت في القضية.

ثالثا : حسب القانون الدولي فإن محكمة العدل الدولية تبت قي القضايا المرفوعة من الدول حصرا بعد استنفاد الحلول السلمية للتسوية الثنائية أو الإقليمية، وهو ما فعله الصومال بالتفاوض مع كينيا لحل المسألة وديا وذلك في مفاوضات مباشرة جرت في جولتين وتخلفت كينيا عن حضور الجولة الثالثة دون إخطار سابق مما دل على أنها غير جادة في التفاوض.

تجربة سلطنة عمان في زيادة جرفها القاري

تعد سلطنة عمان الشقيقة أقرب الدول العربية إلى الصومال والتي لها ساحل طويل؛ حيث نجحت في تمديد جرفها القاري بهدوء وسلاسة فقد سعت لرسم جميع حدودها البرية والبحرية مع جيرانها لإنهاء القضايا العالقة، وإغلاق ملف الحدود حيث وقعت السلطنة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع إيران عام 1974 واتفاقية مماثلة مع السعودية عام 1990 واليمن عام 1992 والإمارات العربية المتحدة عام 1999 وباكستان عام 2000 وذلك لتجنب أي مشاكل يمكن أن تحدث خاصة فيما يتعلق بمصائد الأسماك والثروات البحرية وإعطاء الفرصة لاستغلال هذه الثروات؛ وأودعت السلطنة في 15 أبريل 2009 الطلب المبدئي والمرفق به معلومات أولية فيما يتعلق بمد حدود الجرف القاري للسلطنة مسافة 150 ميلا لدى لجنة حدود الجرف القاري التابعة للأمم المتحدة للمطالبة بتمديد حدود جرفها القاري إلى ما بعد المنطقة الاقتصادية الخالصة إيمانا منها بأهمية المحافظة على الثروات الطبيعية الموجودة في قاع البحار وباطن تربته في منطقة الجرف القاري تحت أعالي البحار المجاورة والمتقابلة لشواطئها (12).

طبيعة القرار المنتظر من محكمة العدل الدولية

تزعم كينيا أنها مارست سيادة لا جدال فيها على المثلث المتنازع عليه منذ أن أعلنت لأول مرة منطقتها الاقتصادية الخالصة (EEZ) في عام 1979 برغم أنها حاولت إيداع خط حدودي من جانب واحد في الأمم المتحدة في عام 2005 مما أثار انتباه الصومال على الأطماع الكينية في المياه الصومالية، وتجادل أن الحدود البحرية يجب أن تتبع “خط العرض” الذي استخدم كحدود بينها وبين الصومال منذ عام 1924، وكذلك تحتج بأنها اتفقت مع الصومال على حل ترسيم الحدود مع الصومال بالمفاوضات وليس بالتحكيم على أساس مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين بشأن تمديد الجرف القاري، ولكن المحكمة رفضت كافة الاعتراضات الكينية في الثاني من فبراير2017 حيث أصدر القضاة بمحكمة العدل الدولية المكلفين بالقضية قرارا برفض الاعتراض الكيني باختصاص المحكمة لتكسب الصومال جولة في القضية وتقترب من حسم الملف لصالحها إذ أن كينيا تحاجج في الإجراءات دون أن تتعمق في جوهر النزاع مما يدل على تضعضع موقفها القانوني وسيصدر القرار لصالح الصومال نهاية هذا العام أو بداية العام القادم (13).

قرارات المحكمة غير قابلة للاستئناف. ويذهب خبراء القانون الدولي بمن فيهم فريق المحامين الصومالي الذي يضم كوكبة من الخبراء والذي يتولى الدفاع عن القضية الصومالية يطمئن بأن كل المعطيات والوقائع تؤكد أن القضية لصالح الصومال، ولذلك تحاول كينيا التشويش على القضاء الدولي لكسب الوقت وإرهاق الطرف الصومالي بالأزمات ولم تكن تتوقع أن يقدم الصومال على خطوة الذهاب إلى التحكيم الدولي، وكانت رهاناتها على ضعف قدرات الصوماليين ماديا ومعنويا، ولهذا من المرجح أن الصومال حتما سيكسب القضية في نهاية المطاف؛ وستعد نكسة وطعنة للقانون الدولي والشرعية الدولية في حال فشل المحكمة في إنصاف الصومال وستساهم في إحداث عدم استقرار وربما يتطور الأمر إلى حرب بين البلدين؛ لأن الصومال لن يقبل بأقل من حقه الكامل.

أوراق صومالية

النزاع الحدودي بين الصومال وكينيا ليس الوحيد في المنطقة، فكينيا نفسها في حالة نزاع مع كل من أوغندا وجنوب السودان وإثيوبيا (14) ومع تنزانيا في نزاع تجاري عبر الحدود، ولم تتأثر العلاقات الدبلوماسية حول هذه النزاعات مما يعطي دلالة على استخفاف كينيا بالعلاقات الثنائية بين البلدين، ويغيب عنها أن لدى الصومال الكثير من أوراق الضغط على كينيا ومنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي ينبغي حشد الدعم والتأييد من جامعة الدول العربية والإيغاد ومنظمة التعاون الإسلامي والإتحاد الأفريقي مترافقة مع حملة شعبية ورسمية لفضح موقف كينيا أمام الرأي الإقليمي والعالمي. وأما على الصعيد الاقتصادي فحدث ولا حرج، فالصوماليون يمتلكون أوراق ضغط متعددة إذا أحسنوا استخدامها ومنها في المقام الأول وقف استيراد القات من كينيا الذي يدر على كينيا بملايين الدولارات سنويا دون مردود إيجابي على الصومال (15)، كما أن معظم رجال الأعمال يستثمرون أموالهم في الأسواق الكينية ويتركز نشاط التجار الصوماليين في سوق إيستلي أحد أكبر الأسواق في كينيا؛ ويمكن سحب هذه الأموال والاستثمارات وتوجيهها إلى داخل الصومال بدلا من كينيا، ومن الناحية الاجتماعية يمكن توظيف الكينيين الصوماليين لحث كينيا على وقف تصعيدها غير المبرر والذي يسيء لكينيا في المدى الطويل.

الوساطة الإقليمية

مارس الصومال أقصى درجات سياسة ضبط النفس في التعاطي مع التصعيد الكيني غير المبرر، فأغلب دول العالم تشهد نزاعات حدودية ولم تصل إلى حد القطيعة وإنما يتم حلها بالمفاوضات أو التحكيم، وهو ما وصل إليه النزاع فلا داعي للمناوشات الكينية لتضليل الرأي العام العالمي، ولكن يبدو أن الموقف الكيني ضعيف ولهذا تسعى إلى توتير الأجواء تجنبا للإحراج الذي ستقع فيه أمام شعبها، وكذلك العواقب الاقتصادية التي ستترتب فور خسارتها القضية؛ حيث ستطالبها الشركات التي نقبت عن البترول في منطقة النزاع بتعويضات باهظة الثمن، ويذهب البعض إلى أن التصعيد الكيني لا علاقة له بالنزاع الحدودي وإنما بتأثير من طرف ما يضغط على الدولة الصومالية.

حاول رئيس الحكومة الإثيوبية التوسط ونزع فتيل الأزمة بين الصومال وكينيا ولكن الطرف الكيني لا زال متعنتا ومتصلبا على التصعيد، وقد أبدى الرئيس الصومالي حسن نواياه ولبى مبادرة أبي أحمد، والكرة الآن في الملعب الكيني، وهناك تقارير تتحدث عن وساطة يقودها الرئيس الأوغندي موسفيني لجمع الرئيسين الصومالي والكيني في كمبالا لإنهاء الأزمة الدبلوماسية وإعادة العلاقات إلى طبيعتها، ولا يمكن التكهن عما ستسفر عنه هذه الوساطة الجديدة بعد فشل مساعي أبي في إحداث اختراق بين الطرفين (16).

مثلت زيارة الرئيس الصومالي محمد عبد الله محمد” فارماجو” ورئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد إلى نيروبي يوم الثلاثاء 05 مارس 2019 لإجراء محادثات مع الرئيس أوورو كينياتا لتطبيع العلاقات الدبلوماسية إحراجا دبلوماسيا لم تتوقعه كينيا وأسقط في أيديها مما جعلها في حالة شلل دبلوماسي وصمت مطبق في ورطتها الدبلوماسية؛ حيث تستشعر كينيا القلق من أن المضي قدما محفوف بالمخاطر؛ لذلك تفضل آلية تسوية القضية خارج المحكمة، ولم يطرح الجانب الصومالي تسوية النزاع حول الحدود البحرية خارج إطار المحكمة، ولا يلوح في الأفق حل غير قرار المحكمة الدولية، ويخشى المراقبون من أن تقوض الأزمة الدبلوماسية بين البلدين المشاريع التنموية والتكامل الاقتصادي في المنطقة، (17).

الخاتمة

الصومال وكينيا بلدان جاران ويتشاركان الكثير من المصالح، مع وجود بعض الملفات العالقة كمسألة الحدود البحرية وقضية اللاجئين ولا ينبغي أن تعيق هذه الملفات التعاون المشترك بين البلدين لحاجة كل منهما الآخر، وعليه فإن إدارة الخلافات بين البلدين ممكن وأن ما يتفق عليه البلدين أكبر مما يختلفان عليه، إذا أخذنا في الاعتبار استضافة كينيا لمدة طويلة اللاجئين الصوماليين فضلا عن الجالية الصومالية في كينيا وأغلبها من رجال الأعمال النشطين الذين ساهموا في تعزيز التجارة البينية بين البدين الجارين.

ولكن المراقبين يلاحظون تغييرا جذريا في السياسة الكينية تجاه الصومال وجرأة على اتخاذ مواقف متشنجة وغير محسوبة العواقب؛ فكثير من المحللين يرون أن هذه الجرأة الكينية ناتجة عن قصور في طريقة إدارة العلاقة مع كينيا على أساس من الدونية والتبعية المطلقة بدل الندية والشراكة المتساوية لحماية المصالح المشتركة بين البلدين الجارين، وهي القاعدة التي تحكم العلاقات الدولية. إن التلويح من كينيا بفرض عقوبات على الصومال ما كان ليحدث إلا لضعف واختلال ميزان القوى لصالح كينيا بفعل الانهيار الذي حدث للصومال قيادة وشعبا طيلة العقود الماضية بفعل الحرب الأهلية والإرهاب والتطرف.

يعتبر الحادث اختبارا للدبلوماسية الصومالية وإحراجا كبيرا للحكومة الصومالية أمام الرأي العام والشعب المتململ من العلاقات مع كينيا التي دأبت في الفترة الأخيرة تعمد الإساءة إلى العلاقات الثنائية مع الصومال والتقليل من شأنه ظنا منها أن الصوماليين بحاجة إلى كينيا أكثر مما تحتاج كينيا إلى الصومال؛ حيث يستطيع أن يقلب الطاولة على كينيا بسياسة مدروسة توازن بين الحفاظ على السيادة الوطنية ووحدة الأراضي الصومالية والدبلوماسية الناعمة، وستواجه كينيا عواقب قرارها غير الحكيم والبعيد عن الأعراف الدبلوماسية بطريقة أو بأخرى وستدرك أن لغة التهديد والوعيد لن تنفع مع الصوماليين حتى وهم في أحلك الظروف.

·      المراجع

  1. علي, بشير نور. النزاع الحدودي بين الصومال وكينيا. الصومال الجديد. [Online] مارس 30, 2018. [Cited: مارس 16, 2019.] http://alsomal.net/النزاع-الحدودي-بين-الصومال-وكينيا/.
  2. Gathara, Patrick. Kenya should let the ICJ settle its maritime dispute with Somalia. Aljazeera. [Online] Aljazeera, March 02, 2019. [Cited: March 12, 1019.] https://www.aljazeera.com/indepth/opinion/kenya-icj-settle-maritime-dispute-somalia-190301085647698.html.
  3. standardmedia. [Online] February 18, 2019. https://www.standardmedia.co.ke/article/2001313431/kenya-s-demands-to-somalia-to-end-crisis.
  4. voanews. Somalia Readies for Oil Exploration, Still Working on Petroleum Law. [Online] February 13, 2019. https://www.voanews.com/a/somalia-readies-for-oil-exploration-still-working-on-petroleum-law/4785064.html.
  5. nation, daıly. Somali Govt raps Kenya for diplomat’s arrest. [Online] Aprıl 28, 1014. https://www.nation.co.ke/news/Somalia-diplomat-Siyad-Mohamud-Shire-arrest-insecurity-terrorism/1056-2296278-sjvfyqz/index.html#.
  6. reuters. Somalia protests Kenya’s detention of govt. delegation at airport. [Online] February 22, 2016. https://www.reuters.com/article/us-somalia-kenya-diplomacy-idUSKCN0VV1OH.
  7. الدولية, محكمة العدل. تعيين الحدود البحرية بين الصومال وكينيا. تقرير محكمة العدل الدولية 2017-2018. [Online] 2018. https://www.icj-cij.org/files/annual-reports/2017-2018-ar.pdf.
  8. UN. NCLOS. [Online] http://www.un.org/Depts/los/convention_agreements/texts/unclos/unclos_e.pdf.
  9. رضوان, حسني موسى محمد. القانون الدولي للبحار: دراسة تحليلة لأهم الاتجاهات الفقهية وأحكام التحكيم. المنصورة: دار الفكر والقانون, 2013.
  10. UN. COMMISSION ON THE LIMITS. [Online] http://www.un.org/Depts/los/convention_agreements/texts/unclos/annex2.htm.
  11. —. [Online] www.un.org/depts/los/clcs_new/clcs_home.htm.
  12. العليم, السيد عبد. الجرف القاري والحدود البحرية للسلطنة. [Online] يوليو 04, 2016. [Cited: مارس 14, 2019.] http://alwatan.com/details/124148.
  13. WAHITO, MARGARET. Kenya, Somalia maritime dispute hearing kicks off Monday at ICJ. capıtal news. [Online] september 17, 2016. [Cited: March 16, 2019.] https://www.capitalfm.co.ke/news/2016/09/kenya-somalia-maritime-dispute-hearing-kicks-off-monday-icj/.
  14. OLUOCH, FRED. Kenya, Ethiopia, South Sudan in talks over disputed land. The East African. [Online] February 21, 2016. [Cited: March 17, 2019.] https://www.theeastafrican.co.ke/news/Kenya-Ethiopia-South-Sudan-in-talks-over-disputed-land-/2558-3086850-xbu1ov/index.html.
  15. كينيا تناشد بريطانيا بعدم حظر نبات القات المخدر. بي بي سي . [Online] نوفمبر 27, 2013. [Cited: مارس 17, 2019.] http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2013/11/131127_kenya_khat-ban.
  16. Mumbere, Daniel. Ethiopia PM to mediate between Kenya and Somalia. africanews. [Online] March 06, 2019. [Cited: March 16, 2019.] https://www.africanews.com/2019/03/06/ethiopia-pm-to-mediate-between-kenya-and-somalia//.
  17. OLUOCH, FRED. Is Kenya seeking out-of-court settlement on spat with Somalia? The East African. [Online] March 09, 2019. [Cited: March 18, 2019.] https://www.theeastafrican.co.ke/news/ea/Is-Kenya-seeking-out-of-court-settlement-on-spat-with-Somalia/4552908-5017052-wmf8r5z/index.html.

عن عبد الرحمن عيسى

عبد الرحمن عيسى
دبلوماسي صومالي حاصل على بكالوريوس في العلاقات الدولية . كاتب وباحث في الشؤون الدولية والدبلوماسية، صدر له العديد من التقارير والدراسات في عدد من الدوريات المحكمة إضافة إلى عشرات المقالات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*