
في لحظة تاريخية تتعرض فيها القضية الفلسطينية لأبشع عدوان عرفه العصر الحديث، وفي وقتٍ ما تزال فيه آلة القتل الإسرائيلية تحصد أرواح عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء، يطلّ علينا مشهد سياسي صادم من القرن الإفريقي، يتمثل في اندفاع قيادة أرض الصومال نحو ما تسميه “الاعتراف الإسرائيلي الرمزي”، بوصفه مدخلًا للشرعية الدولية وبوابةً للاعتراف الموعود.
لقد تابع الرأي العام تحركات حاكم أرض الصومال، عبد الرحمن عرو، وهو يتعامل مع هذا المسار وكأنه إنجاز تاريخي، متباهياً بلقاءاته مع مسؤولين إسرائيليين، ومع دوائر اقتصادية وسياسية أمريكية مرتبطة باللوبي الصهيوني. وبلغ الأمر ذروته عندما أعلن، عبر الإعلام الرسمي، استعداده للتوقيع على ما يُعرف بـ«العهد الإبراهيمي»، مبررًا ذلك بخطاب مكرر عن “السلام العالمي” و”الاستقرار الإقليمي”، وكأن هذا العهد كان يومًا أداةً لتحقيق سلام عادل بل كان ومازال غطاءً لتكريس الهيمنة وشرعنة الاحتلال.
إن هذه الهرولة نحو إسرئيل لا تخدم مصالح دول القرن الأفريقي ولا تخاطب شعوب المنطقة ، ولا وجدان الأمة الإسلامية، بل يتوجه مباشرة إلى مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب، في محاولة واضحة لاسترضائها، أملاً في أن يتحول هذا الاصطفاف البراغماتي المريب إلى مكسب سياسي. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه على الرأي العام العربي والأفريقي والإسلامي هو: أي شرعية تُبنى على أنقاض دماء الفلسطينيين؟ وأي اعتراف يمكن أن يُكسب كيانًا سياسيًا احترامًا، وهو يتجاهل إحدى أكثر القضايا عدالة ووضوحًا في تاريخ الأمة؟ ألا وهي القضية الفلسطينية قضية الشعوب الحرة .
إن ما يجري في أرض الصومال لا يمكن فصله عن ظاهرة أوسع في العالم الإسلامي، حيث تتصدر المشهد نخب نفعية تفكر بمنطق المصالح المجردة دون مراعاة للقيم والمثل العليا التي تعلو على المصالح الآنية، وتتعامل مع السياسة الخارجية باعتبارها سوق مقايضات، لا ميدان مبادئ. نخب لا ترى في فلسطين قضية مركزية، ولا في العمق العربي والإسلامي والإفريقي مرجعية أخلاقية، بل تعتبر كل ذلك “عبئًا رمزيًا” ينبغي التخلص منه لصالح حسابات مؤقتة قصيرة المدى.
وفي المقابل، يترك الشعب المسلم في المنطقة في حالة من التضليل والتخدير السياسي، حيث يُسوَّق لها وهم “الاعتراف الكامل” و”الدولة القادمة”، بينما يُطلب منها – صراحة أو ضمنًا – تغييب ضميرها وفرض إجازة إجبارية عليه حتى لا يفكر في تبعات القرارات السياسية الخطيرة لقيادته وتعليق ضميرها الأخلاقي، وغضّ الطرف عن جرائم الاحتلال، والتنازل عن أحد ثوابت الوعي الإسلامي المعاصر.
أما العلماء والمثقفون وأصحاب الرأي في أرض الصومال، فيجد كثير منهم نفسه اليوم بين نارين: نار ضغط الشارع المؤدلج سياسيا والمعبأ بقرب الاستقلال ووهم خطاب الانفصال والعداء لكل ما هو مرتبط بالدولة الأم في مقديشو الحاضنة لكل القومية الصومالية في القرن الأفريقي، ونار السلطة السياسية التي لا تتسامح مع النقد الصريح. ولهذا جاء خطاب بعض الدعاة، ومنهم الشيخ مصطفى الحاج إسماعيل، حذرًا، مكتفيًا بالتذكير بعدالة القضية الفلسطينية، دون مواجهة مباشرة مع السلطة. غير أن الرسالة الضمنية كانت واضحة لكل ذي بصيرة: الاصطفاف مع إسرائيل، في هذا التوقيت بالذات، ليس حيادًا، بل تواطؤ غير أخلاقي، ومشاركة معنوية في الظلم، ووصمة عار لا تمحوها المكاسب السياسية.
إن الرأي العام في العالم الإسلامي مدعو اليوم إلى قراءة هذا المشهد بعمق، بعيدًا عن الشعارات المحلية والذرائع السياسية فما يحدث في أرض الصومال ليس شأنًا داخليًا معزولًا سيتوقف عند هذا الحد بل حلقة جديدة في مسلسل تطبيع الوعي، وإعادة تعريف مفهوم “السلام” على حساب العدالة، و”الشرعية” على حساب الإجرام وسفك الدماء. ومن المؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد تمايزًا أوضح في الصفوف بين من يلهثون وراء السراب الصهيوني والعهد الإبراهيمي، طلبًا لرضا القوى الكبرى، وبين من يتمسكون بالقيم والمبادئ والمثل العليا وتنني القضايا العادلة بوصفها جزءًا من هويتهم وكرامتهم.
ولن يطول الزمن حتى تستعيد المساجد والمراكز العلمية والجامعات الدينية دورها الطبيعي، بعد أن لفظت – أو ستلفظ – حالة الاختطاف الفكري التي فرضتها نخب منبهرة باعتراف زائف، ومخدوعة بوعود لوبيات لا تعرف إلا منطق الهيمنة والمصلحة.
إن الاعتراف الحقيقي الذي ينبغي السعي إليه، ليس الاعتراف بالاحتلال، بل الاعتراف بالتاريخ والجغرافيا، والاعتراف بالضمير الحي والاعتراف بحق تقرير مصير الشعوب ليتبن بأنك كنت في الصف الصحيح، يوم اختلطت المواقف، وسقطت الأقنعة.




