
في كل موسم انتخابي، وفي كثير من المحطات السياسية الحرجة، تجد الجالية الصومالية في الولايات المتحدة نفسها في مرمى نيران الخطاب الشعبوي اليميني، وفي مقدمة مطلقيه الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب. غير أن ما يبدو للوهلة الأولى هجوماً عشوائياً أو ردود فعل آنية، يكشف عند التأمل عن منظومة متكاملة من الحسابات السياسية والأيديولوجية، تتشابك فيها ملفات الهجرة والأمن والهوية الوطنية، وتوظّف توظيفاً انتخابياً مدروساً.
أولا: الاحتيال المالي.. ذريعة قانونية أم استهداف سياسي؟
يُكثر ترامب من الإشارة إلى تحقيقات فيدرالية تتصل ببرامج المساعدات الاجتماعية، ولا سيما فضيحة الاحتيال في برنامج وجبات الأطفال خلال جائحة كورونا، التي كشفت عن اختلاسات بمئات الملايين في ولاية مينيسوتا. ولا شك أن هذه القضايا حقيقية وموثّقة قضائياً، وقد طالت عدداً من الأفراد ذوي الأصول الصومالية. بيد أن ما يغفله ترامب عمداً، أو يتجاهله لأسباب سياسية واضحة، هو أن سجلات المحاكم الفيدرالية ذاتها تكشف أن مواطنين أمريكيين من أصول غير صومالية متورطون في قضايا احتيال مشابهة، بل إن حجم ما اختلسوه في مجموعه يفوق بكثير ما نُسب إلى المنحدرين من أصول صومالية. ومع ذلك، لم تتحول تلك القضايا إلى مادة خطابية جاهزة، ولم يُحمَّل أصحابها هويتهم الإثنية وزر أفعالهم. هذا التفاوت في التناول ليس محض صدفة؛ إنه يعكس ازدواجية معيارية صارخة تجعل من جريمة الفرد الصومالي تهمةً جماعية، بينما تبقى جريمة غيره في دائرة المسؤولية الفردية.
فحين يتحدث ترامب عن “عصابات صومالية” نهبت “مليارات الدولارات”، فإنه يُحوّل جرائم أفراد بعينهم إلى صفة ملازمة لمجتمع بأكمله يتجاوز تعداده مئة ألف شخص في مينيسوتا وحدها. وهو منطق لو طُبِّق بالتساوي على جميع الجاليات والمجموعات لأصبح لا معنى له ولا قيمة، لكنه في واقع الحال لا يُطبَّق إلا انتقائياً على من يُراد تصويرهم عبئاً أو تهديداً.
ثانياً: إلهان عمر.. الحضور القلق في حسابات الخصوم
لا يمكن فهم الهجوم الترامبي على الصوماليين بمعزل عن صراعه المتواصل مع النائبة في الكونغرس إلهان عمر، ابنة مينيسوتا والمهاجرة الصومالية التي صارت وجهاً من وجوه أمريكا التعددية. فهي في نظر ترامب وقاعدته تجسّد ما يعتبرونه “التهديد الداخلي”: امرأة مسلمة، ذات أصول أفريقية، جريئة في انتقاد السياسة الخارجية الأمريكية، وصريحة في الدفاع عن حقوق المهمّشين، وحين طالبها ترامب بـ”العودة إلى بلدها”، لم يكن يخاطبها وحدها، بل كان يوجّه رسالة ضمنية إلى ملايين الأمريكيين من أصول غير أوروبية: أنتم هنا متسللون ثقيلون لا بالامتياز والحق وهو خطاب يُغذّي وعي الإقصاء لدى فئات واسعة من الرأي العام الأمريكي، في حين يُحرّك المشاعر الهوياتية لدى قاعدته الانتخابية الغاضبة من وتيرة التحول الديموغرافي.
ثالثاً: الصومال في الخيال الأمريكي… صورة عفا عليها الزمن
يستحضر ترامب صورة ذهنية راسخة عن الصومال باعتباره دولة “فاشلة” مصدراً للفوضى والإرهاب، وهي صورة ترسّخت في الوعي الغربي منذ أحداث مقديشو عام 1993 وما تلاها من سنوات الانهيار المؤسسي. غير أن هذه الصورة باتت اليوم مجافيةً للواقع بشكل لافت، ويبدو أنها تعكس جهلاً مقصوداً أو توظيفاً سياسياً أكثر مما تعكس قراءة موضوعية؛ فالصومال الذي يصفه ترامب ليس الصومال الذي يشهده العالم اليوم. الصومال دولة معترف بها دولياً، تمتلك مؤسسات دستورية ومنظومة قضائية وأجهزة أمنية وشرطية، وتحتفظ بتمثيل دبلوماسي كامل في طليعة المنظمات الدولية. بل إن الصومال تولّى مقعد الرئاسة الدورية لمجلس الأمن الأممي في آخر دوراته، وهو موقع لا يُمنح لدولة خارج دائرة الاعتراف والفاعلية الدولية. وعلى الصعيد الإقليمي، تضطلع مقديشو بدور محوري في منظمات الاتحاد الإفريقي وهيئات القرن الإفريقي، سياسيةً كانت أم اقتصادية، وتحمل ملفات إقليمية حساسة على طاولة المفاوضات الدولية بثقل لا يُستهان به.
صحيح أن الصومال لا يزال يواجه تحديات أمنية جسيمة في مقدمتها حركة الشباب، وأن بناء الدولة فيه لم يكتمل بعد، غير أن هذا شأن دول عديدة في العالم لا يُوصف أصحابها بـ”القمامة” ولا يُهدَّد مواطنوها في الخارج بالترحيل. إن استمرار ترامب في استحضار صورة الصومال التسعيني يكشف أن الهدف ليس النقد السياسي الرصين، بل إثارة صور نمطية مشحونة عاطفياً تخدم أجندة الإقصاء.
رابعاً: مينيسوتا… الميدان الانتخابي المحسوب
لا تبدو الحملة على الصوماليين بعيدة عن الجغرافيا الانتخابية. فمينيسوتا، التي تحتضن أكبر جالية صومالية في أمريكا، ظلت تاريخياً ولاية ديمقراطية الميول، غير أنها باتت تشهد تحولات ملموسة في مزاج ناخبيها. ويراهن ترامب على أن إثارة قضايا الهجرة والتغيير الديموغرافي تكفل له استقطاب شريحة واسعة من الناخبين في المناطق الريفية والضواحي، ممن يشعرون بأن هويتهم الثقافية والاجتماعية في مواجهة تحديات غير مسبوقة وبهذا المعنى، فإن الجالية الصومالية ليست الهدف الفعلي بقدر ما هي “الوقود” الذي يُشعل الغضب الانتخابي لدى قاعدة بعينها.
خامساً: ورقة الهجرة في زمن الأزمات الخارجية
في سياق تصاعد التوترات الإقليمية وانشغال الإدارة الأمريكية بملفات دولية شديدة التعقيد، كالحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط والمفاوضات النووية المتعثرة وتداعياتها على المصالح الأمريكية، تزداد قضايا الهجرة الداخلية توظيفاً كورقة ضغط على الرأي العام. فحين تتشعب الأزمات الخارجية وتتعقد خياراتها، يجد الخطاب الشعبوي في “عدو الداخل” متنفساً سياسياً مريحاً يُحوّل أنظار الجمهور عن إخفاقات السياسة الخارجية ويعيد تركيزها على هواجس الهوية والأمن المحلي. والجالية الصومالية، بحكم موقعها في خريطة التوترات الثقافية الأمريكية، تجد نفسها في هذا السياق ضحيةً مزدوجة: تُستهدف ليس لما فعلته، بل لما تمثّله رمزياً في خطاب يحتاج دائماً إلى كبش فداء جاهز.
سادسا: الحقيقة التي يُسقطها الخطاب الشعبوي
في مقابل هذا الخطاب، تروي الأرقام والوقائع قصة مغايرة تماماً. فالجالية الصومالية الأمريكية، التي أتت في معظمها تحت إكراهات حرب أهلية مدمّرة وموجات جفاف متكررة، نجحت في ظرف جيلين أو أقل في أن تُنتج نخباً سياسية وأكاديمية وعسكرية واقتصادية بارزة. فعلى الصعيد السياسي، تمكّن أبناء الجالية من انتزاع مقاعد في الكونغرس الفيدرالي وفي برلمانات ولايات عدة كمينيسوتا وتكساس وغيرها، وتقلّدوا مناصب قيادية في الجيش والقضاء والأجهزة الحكومية وعلى صعيد ريادة الأعمال، أسهمت الجالية في إحياء مقاطعات كانت تعاني الإهمال الاقتصادي، وأنشأت شبكة من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي وفّرت فرص عمل لأبناء مجتمعاتها ولغيرهم. كما أفرزت كفاءات أكاديمية وفكرية تحتل اليوم مواقع مرموقة في جامعات أمريكية عريقة ومراكز بحثية رائدة.
ولعل الأبرز من الناحية الثقافية أن الصوماليين لم يذوبوا في “بوتقة الانصهار” الأمريكية، بل حافظوا على هويتهم الإسلامية وموروثهم الثقافي، وأسهموا في تنويع المشهد الديني الأمريكي من خلال بناء المساجد والمراكز الإسلامية وتنشيط الحياة المجتمعية القائمة على القيم. وهو ما يرى فيه كثيرون نموذجاً للتعددية الأمريكية في أبهى صورها.
خاتمة: ما وراء الهجوم
ما يجمع خيوط هذه القصة هو أن الهجوم على الجالية الصومالية ليس وليد ملفات الاحتيال أو هواجس الأمن القومي وحدها، بل هو قبل كل شيء صناعة سياسية مدروسة تُعلي من شأن الخوف وتُحوّله إلى رصيد انتخابي، وتنتقي من الحقائق ما يخدمها وتُسقط ما يُفنّدها. وقد جرت العادة في السياسة الشعبوية أن يكون المهاجر آخر من يُسأل حين تضيق الحلول، وأول من يُتّهم حين تلزم القرابين.
غير أن الجالية الصومالية، بما أثبتته من قدرة على الصمود والاندماج الفاعل دون الذوبان، وبما تمثله من نجاح يعاكس كل السرديات المُعادة، تقدّم في حد ذاتها رداً على هذا الخطاب: ليس بالكلام، بل بالوجود والفعل والإنجاز.



