الصومال والاستقطاب الدولي: قراءة في الجاهزية المؤسسية والتحديات الجيوسياسية

مقدمة
تتصدر منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن المشهد العالمي كإحدى بؤر الصراعات في العالم وتستقطب اهتماما متزايدا من الناحية الجيوسياسية والتحولات التي يشهدها النظام الدولي وقد ألقت الحرب على غزة وتداعياتها في الممرات المائية في البحر الأحمر بظلالها على خريطة التحالفات الإقليمية وفي ظل هذا المشهد المعقد، برز تحول لافت في استراتيجيات القوى الإقليمية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي بدأت تولي عمقها الاستراتيج اهتماماً مضاعفاً على البحر الأحمر ومصر التي تولي اهتماما إستراتيجيا بالغا في سياستها الخارجية للقرن الأفريقي لارتباطه بأمنها القومي وخاصة الأمن المائي.
التغلغل الإسرائيلي وردود الفعل الإقليمية
تشير الوثائق التاريخية أن اسرائيل من الدول القليلة التي اعترفت بصوماليلاند في 26 يونيو 1960 قبل أن يتحد الصومال الإيطالي مع أرض الصومال ابريطاني في 1 يوليو 1960 لتحقيق حلم الصومال الكبير بتوحيد جميع الأراضي المتصلة في القرن الأفريقي؛ وقد شمل ذلك الاعترا عددا من الدول الأفريقية منها مصر وإثيوبيا وغانا وليبيا إضافة إلى إسرائيل ولم تتوقف المساعي الإسرائيلية الحثيثة لإيجاد موطئ قدم في منطقة القرن الأفريقي منذ اعلان الإقليم من جانب واحد استقلاقه عن باقي الصومال في عام 1991 ولكن الحكام المتعاقبين في الإقليم لم يجرؤوا على على اتخاذ خطوة من هذا القبيل ولكن الحاكم الحالي عبد الرحمن عرو أقدم على خطوة خطيرة كسرت كل الاعراف والخطوط الحمراء بالاعتراف المتبادل الذي يصب في مصلحة إسرائيل أكثر مما يحقق مصالح أرض الصومال، وقد تجلت المصلحة الإستراتيجية بوضوح في الاستعجال الإسرائيلي بالاعتراف بإقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند) في 26 ديسمبر 2025، ودعوة الإقليم للانضمام إلى “الاتفاقات الإبراهيمية” لفك عزلتها الدولية وصرف الأنظار عن الجرائم التي ارتكبتها في عزة.
تسارعت ردود الأفعال وتيرة التحركات من دول وازنة كمصر، السعودية، وتركيا وتضامنت مع الصومال في حملة دبلوماسية منسقة نجحت في تحجيم التحرك الإسرائيلي ومنعت من توسع عدوى دعم الكيانات الانفصالية لتبقى إسرائيل تغرد وحدها خارج الشرعية الدولية والإقليمية وتأتي هذه التحركات في إطار السعي لقطع الطريق أمام الأطماع الخارجية، وتقديم بديل استراتيجي يدعم كيان الدولة الصومالية.
إشكالية الجاهزية وبناء المؤسسات
بيد أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل تمتلك الدولة الصومالية الجاهزية الكافية لاستثمار هذا الزخم الدولي لصالح مشروعها الوطني؟ إن استيعاب هذا الاهتمام العالمي يتطلب بناء قدرات مؤسساتية صلبة تخلق مناعة سيادية ضد الأطماع الإقليمية التي تقتات على هشاشة الوضع الداخلي. ففي الوقت الذي تسعى فيه قوى بعينها إلى تغذية النزعات الانفصالية وإضعاف المركز لمآرب خاصة، كما هو الحال في التوترات الأخيرة التي شهدتها الساحة اليمنية بتوتر العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات وأدت لإلغاء شراكات أمنية واقتصادية، يبرز التحدي الصومالي في كيفية التحول من ساحة للصراع بين الأطراف الإقليمية إلى شريك فاعل يراعي مصالحه الإستراتيجية مع الأطراف وذلك لأن الوضع الهش في الصومال لا يتحمل حرب وكالة بين أطراف إقليمية تسعى لتصفية حسابات لا ناقة للصومال فيها ولا جمل.
الفجوة بين الإنجاز الدبلوماسي والواقع الداخلي
ثمة مفارقة حادة في الأداء الصومالي الراهن؛ فبينما حققت القيادة العليا نجاحات دبلوماسية لافتة على الصعيد الخارجي، تمثلت في حيازة عضوية مجلس الأمن وتولي رئاسته، وتعزيز الحضور في الاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيغاد” وتكتل السوق المشتركة لمجموعة شرق أفريقيا، إلا أن هذه المكتسبات تظل مهددة ما لم يترافق معها إنجاز حقيقي في ملف المصالحة الوطنية الداخلية وخاصة المغاوضات مع هرغيسا ومعالجة الأسباب التي أدت إلى الاستنجاد بإسرائيل الدولة المنبوذة شعبيا في وجدان الشعب الصومالي وأكثرهم الشعب في إقليم أرض الصومال. إن تعثر مسار بناء الدولة، وعدم استكمال الأطر القانونية والمؤسسية للخيار الفيدرالي الدستوري منذ عام 2012، يضعف من فاعلية اتفاقيات التعاون الثنائي مع الدول الصديقة. فغياب “المؤسسية” يجعل من الصعوبة بمكان ترجمة الدعم الدولي في مجالات الأمن، العدالة، والاقتصاد إلى نتائج ملموسة على الأرض.
خاتمة
إن المرحلة الراهنة تفرض على الحكومة الصومالية إدراك حساسية التوقيت وقيمة الثقل العربي والإسلامي الذي يرى في استقرار الصومال ركيزة أساسية للأمن القومي المشترك. إن الأولوية القصوى يجب أن تنصب على وحدة الصف الداخلي؛ فالنجاح الخارجي لا يعدو كونه واجهة هشة ما لم يستند إلى جبهة داخلية متماسكة ومؤسسات قادرة على تحويل الفرص الدولية إلى مكتسبات وطنية مستدامة.




