الصومال والانتقال المأزوم: الانتخابات بين تعزيز الشرعية وتكريس الهشاشة

مقدِّمة
واضح أن أغلب الأبحاث والدراسات تنظر إلى التجربة الصومالية كإحدى أكثر الحالات تعقيداً في أدبيات الانتقال السياسي وبناء الدولة في السياق الإفريقي المعاصر، إذ تكشف عن علاقة جدلية عميقة بين أزمة العملية الانتخابية وممارستها وأزمة الدولة الوطنية ذاتها؛ فمنذ لحظة الاستقلال، سعت النخب السياسية الصومالية إلى بناء دولة مركزية قوية من حيث الشكل، غير أنّ هذا المسعى لم يُواكَب بتطوير منظومة مؤسسية راسخة للشرعية السياسية، ولا بترسيخ قواعد التداول السلمي للسلطة. ونتيجة لذلك، ظلّت الدولة الصومالية تتأرجح بين فترات استقرار نسبي سرعان ما تعقبها انتكاسات مفاجئة وحادّة، في نمط يعكس عجزاً بنيوياً عن معالجة جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارتها.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم ظاهرة «الانتقال المأزوم» في الصومال بوصفها خللًا إجرائيًا عابرًا أو إشكالًا تقنيًا يقتصر على آليات تنظيم الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، بل ينبغي دراستها باعتبارها تعبيرًا بنيويًا عن أزمة أعمق تطال طبيعة الدولة الصومالية ووظائفها وحدود شرعيتها فالانتقالات السياسية المتعاقبة، بدل أن تمثل لحظة قطيعة حقيقية مع أنماط الحكم المختلّة التي كرّستها مراحل سابقة من الحكم المدني والعسكري والانهيار الشامل والممتد للصومال، غالبًا ما أسهمت في إعادة إنتاج البنى نفسها للسلطة والنفوذ، وإن اتخذت هذه المرة أطرًا دستورية أو مؤسسية جديدة. وهو ما جعل الانتقال السياسي يتحول من أداة لإعادة تأسيس الدولة إلى آلية لإدارة الأزمة وإدامتها.
وقد ترتب على ذلك عجز مزمن عن بلورة عقد اجتماعي جامع يقوم على الشراكة السياسية والعدالة التمثيلية والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، الأمر الذي انعكس سلبًا على مستوى الثقة بين المجتمع والدولة. ومع تكرار الإخفاقات الانتقالية، ترسّخت لدى قطاعات واسعة من المجتمع الصومالي قناعة بأن العملية السياسية لم تعد مسارًا للتغيير، بل جزءًا من المشكلة نفسها، وهو ما أضعف شرعيتها وفتح المجال أمام بدائل غير مؤسسية لملء فراغ الدولة. وتبرز هذه الإشكالية بوضوح عند مقارنة الحالة الصومالية بتجارب دول إفريقية أخرى شهدت حروباً أهلية وصراعات داخلية، حيث مثّلت عمليات الانتقال السياسي مدخلاً نسبياً لإعادة بناء الدولة وتعزيز الشرعية الديمقراطية. ففي حين استطاعت بعض هذه الدول توظيف الانتخابات بوصفها آلية لتجديد الشرعية وإدارة التنافس السياسي، ظلّت العملية الانتخابية في الصومال أسيرة ترتيبات توافقية هشّة، ونظم اقتراع غير مباشرة، وهيمنة الاعتبارات العشائرية على حساب التعددية الحزبية والتمثيل السياسي الحديث.
ورغم أن الصومال عرف منذ عام 2012 أشكالًا محدودة من التداول السلمي للسلطة، أعادت إحياء آمال الانتقال الديمقراطي، فإن هذه التجربة ظلّت منقوصة الأركان، بفعل تهميش العمل الحزبي المؤسسي، وانتشار الفساد السياسي، والتلاعب بالإرادة الانتخابية. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في إبقاء البلاد عُرضة للانتكاس السياسي، وإعادة الانزلاق نحو أزمات صراع مفتوحة، في ظل فشل مزمن في تجاوز إرث انهيار الدولة ومتطلبات الانتقال إلى نظام سياسي مستقر.
ينطلق هذا البحث من مقاربة نظرية نقدية مستمدة من أدبيات الانتقال السياسي في الدول الهشّة، والتي تفترض أن الإخفاق في بناء مؤسسات شرعية وفاعلة لا يُعدّ نتيجة حتمية لمرحلة ما بعد الصراع، بل هو انعكاس لأزمة دولة بنيوية تتجاوز الأطر الزمنية للانتقال. وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أزمة الانتخابات في الصومال بوصفها مرآة لأزمة الدولة الممكنة، من خلال تفكيك العلاقة بين نمط الانتقال السياسي القائم، وإشكاليات الشرعية، وحدود بناء الدولة في السياق الصومالي المعاصر.
أولاً : خلفية تاريخية لانتخابات ما قبل الحرب والأزمة البنيوية في الصومال.
منذ اللحظات الأولى التي أعقبت الاستقلال، ظلّ المسار السياسي الصومالي محكومًا بما يمكن تسميته مفارقة بنيوية مأزومة؛ مفارقة دولةٍ تبدو، في كل مرحلة سياسية جديدة، وكأنها تستعيد بعض مظاهر القوة والانتظام المؤسسي، من خلال وجود حكومة مركزية، ودستور، وبرلمان، وأجهزة أمنية، غير أنّ هذا الحضور الشكلي للدولة لم يترجم، في أي مرحلة تقريبًا، إلى مضمون فعلي قائم على الشرعية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار والأداء. وتتجلّى هذه المفارقة في التناقض القائم بين وجود الدولة كإطار قانوني ومؤسسي، وغيابها كسلطة سيادية قادرة على فرض القانون، وضبط المجال العام، واحتكار وسائل العنف المشروع، وتقديم الحد الأدنى من الخدمات العامة. فالدولة في الحالة الصومالية حاضرة في الخطاب والنصوص الدستورية، لكنها ضعيفة أو غائبة في الممارسة والوظيفة.
وفي كل مرة تلوح فيها ملامح استقرار ظاهري، سواء عبر تشكيل حكومة جديدة أو إطلاق مسار انتخابي أو إعادة هيكلة مؤسسات رسمية، سرعان ما تدخل البلاد في موجة انتكاس جديدة، وكأن النظام السياسي يعيد إنتاج اختلالاته البنيوية نفسها بدل معالجتها. ويكشف هذا النمط المتكرر عن ميل بنيوي إلى تأجيل الحلول الجذرية، والاكتفاء بإدارة الأزمة بدل تفكيك أسبابها العميقة، لا سيما ما يتصل بطبيعة السلطة، وتوزيع النفوذ، وعلاقة الدولة بالمجتمع. ومن هنا، يتحوّل الانتقال السياسي من كونه أداة لإعادة التأسيس وبناء الدولة الوطنية، إلى لحظة مأزومة بحد ذاتها، تُعاد فيها صياغة الأزمة في أشكال أكثر تعقيدًا، دون تجاوزها فعليًا. فالانتقال لا يُنهي الأزمة، بل يعيد تدويرها ضمن أطر مؤسسية جديدة، الأمر الذي يفسر استمرار الهشاشة السياسية، وتآكل الثقة الشعبية في الدولة، وبروز بدائل غير رسمية تنازعها الشرعية والوظيفة.
وباختصار، فإن مفارقة الدولة الصومالية تتمثل في وجود حكومة ومؤسسات رسمية من دون دولة فاعلة، وفي حضور الشكل مقابل غياب المضمون، وهو ما يجعل سؤال بناء الدولة في الصومال سؤالًا مؤجلًا باستمرار، ومفتوحًا على احتمالات انتكاس متجددة. وقد ظهرت هذه الإشكالية مبكرًا مع أول تجربة انتخابية في الصومال في عهد الحكم المدني، التي جاءت منفصلة عن الواقع الاجتماعي والسياسي، ما أدى إلى أزمة حادة انتهت باغتيال الرئيس عبد الرشيد علي شرماركي في لاسعانود 15 أكتوبر1969م، في حادثة لم تكن مجرد فعل اغتيال سياسي، بل مثّلت عملياً وأداً مبكراً للتجربة الديمقراطية، وطَيّاً لصفحة التداول السلمي للسلطة، وفتح الباب أمام الانقلاب العسكري وصعود النظام الشمولي الذي قاده سياد بري 21 أكتوبر 1969 – 26 يناير 1991م.
ثانياً: النموذج الانتخابي الصومالي بعد عام 2000: من المحاصصة العشائرية إلى مأزق الانتخابات غير المباشرة.
في أعقاب انهيار الجكومة المركزية مطلع تسعينيات القرن الماضي، وجد الصومال نفسه أمام فراغ سياسي ومؤسسي شامل، حال دون إمكانية تنظيم انتخابات مباشرة بالمعايير الديمقراطية المتعارف عليها. وبدلًا من ذلك، جرى اعتماد نظام المحاصصة العشائرية (Clan-Based Power-Sharing) بوصفه آلية مؤقتة لإعادة إنتاج السلطة ومنع الانزلاق الكامل نحو الفوضى، حيث أُنيطت عملية اختيار أعضاء البرلمان بمشايخ العشائر ووجهائها، على أن يتولى البرلمان لاحقًا انتخاب رئيس الجمهورية.
ورغم أن هذا النموذج أسهم، في حدّه الأدنى، في إعادة تشكيل هياكل حكم شكلية بعد عام 2000، فإنه في المقابل أعاق تطور عملية انتخابية حقيقية قائمة على التنافس السياسي والبرامجي، ورسّخ منطق الولاءات القبلية باعتباره المدخل الأساسي للوصول إلى السلطة. وبدل أن يتجه الفاعلون السياسيون نحو بناء قواعد انتخابية وطنية عابرة للعشائر، ظلّ اعتمادهم الأساسي منصبًّا على شبكات النفوذ العشائري، ما حوّل الانتخابات إلى امتداد لصراعات تقليدية تُدار خارج المجال السياسي المؤسسي. وقد انعكس هذا الوضع سلبًا على الشرعية الديمقراطية للنظام السياسي، إذ أصبحت الانتخابات أقرب إلى تسويات نُخبوية مغلقة منها إلى تعبير عن الإرادة الشعبية. كما ساهمت صيغة الانتخابات غير المباشرة في تفريغ العملية الانتخابية من بعدها التمثيلي، وتعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز الشعور العام بأن السياسة شأن خاص بالنخب العشائرية والسياسية، لا مجالًا عامًا مفتوحًا للمساءلة والمشاركة.
وفي مقابل ذلك، شهدت بعض المراحل الانتقالية محاولات متكررة للانتقال إلى نموذج الانتخابات المباشرة القائم على مبدأ الانتخابات العمة المباشرة «صوت واحد، شخص واحد»، بوصفها مدخلًا لإعادة بناء الشرعية السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية. غير أن هذه المحاولات اصطدمت بجملة من التحديات البنيوية، في مقدمتها التدهور الأمني المستمر، ولا سيما تهديدات حركة الشباب، وضعف مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسات الانتخابية المستقلة(غياب الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات)، وعجزها عن إدارة عملية انتخابية شاملة وذات مصداقية. إلى جانب ذلك، برزت خلافات حادة بين الحكومة الفيدرالية والولايات حول قواعد تنظيم الانتخابات المباشرة، وتوزيع الصلاحيات، وتحديد الأطر القانونية الناظمة لها، فضلًا عن الجدل المتواصل بشأن مدى شرعية إجراء انتخابات عامة في بيئة سياسية وأمنية غير مستقرة. وقد أسهم هذا التداخل بين الأمني والمؤسسي والسياسي في إبقاء النموذج الانتخابي الصومالي عالقًا في منطقة وسطى، لا هو قادر على تجاوز منطق المحاصصة العشائرية، ولا هو مؤهل بعدُ للانتقال إلى ديمقراطية انتخابية مكتملة.
وبذلك، يمكن القول إن مأزق النموذج الانتخابي في الصومال لا يرتبط فقط باختيار الآلية المناسبة للاقتراع، بقدر ما يعكس أزمة أعمق في بنية الدولة نفسها، وفي قدرتها على إنتاج شرعية سياسية مستدامة، وفصل المجال السياسي عن الانتماءات الأولية لحقبة ما قبل الدولة الحديثة. الجدير بالذكر أنه بعد انهيار الحكومة المركزية تمت الاستعانة بنظام المحاصصة العشائرية (clan-based power-sharing)، الذي شكّل قاعدة اختيار ممثلي البرلمان عبر مجالس العشائر، ومن ثم انتخاب الرئيس عن طريق البرلمان مما أعاق تطوير عملية انتخابية حقيقية ومستدامة إذ بقي السياسيون يعتمدون على شبكات نفوذ عشائرية وقبلية بدلًا من تأسيس قاعدة انتخابية وطنية مستقلة وقد أثّرت هذه الصيغة في ضعف الشرعية الديمقراطية وجعلت الانتخابات امتدادًا لخلافات تدور في أطر بديلة عن المواجهة السياسية المؤسساتية.
وقد حاولت بعض الإدارات الانتقال إلى نظام انتخابي مباشر عبر «صوت واحد، شخص واحد»؛ لكن هذه المحاولات اصطدمت بعقبات أمنية (خصوصًا وجود حركة الشباب) وضعف المؤسسات الوطنية بالإضافة إلى المؤسسات الانتخابية المستقلة، علاوة على ذلك كله خلافات بين المركز والأطراف حول قواعد الانتخاب المباشر وشرعية إجراءه في أجواء غير مستقرة.
ثالثًا: أزمة الدستور والتعديلات الانتخابية – مكامن الخلاف الراهن
أفرزت الولاية الثانية للرئيس حسن شيخ محمود (2022– حتى الآن) أزمة سياسية ودستورية متصاعدة، تمحورت حول حزمة من التعديلات الدستورية التي طُرحت منذ عام 2022، وشملت الانتقال إلى نظام الانتخابات المباشرة، وتأسيس نظام حزبي وطني، إلى جانب إعادة تشكيل اللجنة الانتخابية ورغم تقديم هذه التعديلات بوصفها مدخلًا لإصلاح النظام السياسي وكسر حالة الجمود الدستوري الممتدة منذ اعتماد الدستور المؤقت عام 2012، فإنها قوبلت برفض واسع من قوى المعارضة وعدد من الولايات الفيدرالية، التي رأت فيها تغييرات جوهرية افتقرت إلى الحد الأدنى من التوافق الوطني ولا تنفصل هذه الخلافات عن اختلال بنيوي في العلاقة بين الحكومة الرأس والأعضاء، حيث عكست الأزمة ضعف آليات الحوار الدستوري والمؤسسي القادرة على إدارة الخلافات بعيدًا عن منطق الاستقطاب السياسي والمواجهة الصفرية. وبدل أن تتحول التعديلات الدستورية إلى فرصة لبناء توافق جديد حول قواعد اللعبة السياسية، أسهمت في تعميق حالة الانسداد السياسي، وتأزيم العلاقة بين المركز والأطراف السياسية الفاعلة، وتراجع فرص الانتقال الديمقراطي المنظّم.
وتقف التعديلات الدستورية الراهنة عند تقاطع منطقين متعارضين: فمن جهة، تُطرح باعتبارها ضرورة إصلاحية لتجاوز حالة السيولة الدستورية، وتنظيم العلاقة بين مستويات الحكم، وتوحيد المرجعيات الانتخابية، وإنهاء العمل بالترتيبات الانتقالية الممتدة. ومن جهة أخرى، تثير مخاوف جدّية من إعادة هندسة النظام السياسي على نحو قد يفضي إلى تركيز السلطة في يد المركز، وتقويض المضمون العملي للفيدرالية، وإضعاف مبدأ الشراكة السياسية الذي قام عليه النظام بعد عام 2000 في ترسيخ النظام البرلماني وفي 2004 في تبني النهج الفيدرالي.
وتتجسّد مكامن الخطر الأساسية في أربعة عناصر مترابطة:
أولًا، تمرير التعديلات في غياب توافق وطني شامل، الأمر الذي أفقدها قدرًا معتبرًا من الشرعية السياسية والمجتمعية، وحوّلها من مشروع إصلاحي جامع إلى نزاع سياسي حاد.
ثانيًا، النزوع المتزايد نحو تعزيز السلطة التنفيذية المركزية على حساب صلاحيات الولايات الفيدرالية، بما يهدد بتفريغ النظام الفيدرالي من محتواه العملي، وتحويله إلى صيغة شكلية.
ثالثًا، التعجيل باستحقاقات سياسية وانتخابية في ظل مؤسسات دستورية وانتخابية غير مكتملة البناء، ما ينذر بأزمات قانونية ودستورية جديدة، ويُعمّق الانقسامات السياسية بدل احتوائها.
رابعًا، هشاشة البيئة السياسية والأمنية الداخلية، وما تتيحه من فرص متزايدة للتدخلات الخارجية والتأثير في القرار الوطني، في لحظة تتسم بحساسية عالية في مسار إعادة بناء الثقة والدولة معا.
وعليه، فإن استمرار هذا المسار، من دون مراجعة توافقية، يهدد بإعادة إنتاج نمط حكم مركزي مهيمن، قد يقوّض التوازنات السياسية التي تشكّلت منذ انطلاق المرحلة الانتقالية في مؤتمر عرتا عام 2000. ولم تعد الدعوات إلى مراجعة التعديلات الدستورية والعودة إلى دستور 2012 مجرّد موقف سياسي معارض، بل غدت مدخلًا ضروريًا لإعادة بناء الثقة بين الفاعلين السياسيين، وإطلاق حوار وطني جامع يُفضي إلى صياغة دستور دائم يعكس الإرادة الشعبية، ويحترم التنوّع السياسي والجغرافي للصومال، ويؤسس لانتقال ديمقراطي مستقر.
رابعاً: الانتخابات المحلية المباشرة: خطوة نحو الإصلاح أم فخ شرعي؟
في نهاية عام 2025، شهدت مقديشو إجراء أول انتخابات محلية مباشرة منذ عقود، وهو مؤشر مهم في سياق التحول الديمقراطي، إذ يُمثل اختباراً لمصير الانتخابات المستقبلية على المستوى الوطني. وقد اتسعت المشاركة السياسية والشبابية في هذه الانتخابات، الأمر الذي يُنظر إليه كفرصة لتعزيز الشرعية الشعبية للمؤسسات المحلية. ومع ذلك، لا يزال هناك جدل حول ما إذا كانت هذه الخطوة تعكس اختراقاً حقيقياً في عملية الانتقال، أم أنها تُستخدم كأداة لإضفاء شرعية مؤقتة على النظام القائم دون معالجة جذور أزمة الدولة الصومالية وبالتوازي، رفضت أغلب قوى المعارضة – إن لم يكن كلّها- العملية الانتخابية الحالية بل قاطعتها، معتبرةً أنها لا ترتقي إلى مستوى الديمقراطية الحقيقية، ولا تستوعب مطالب جميع الفئات السياسية والاجتماعية، ما يُبرز استمرار الهوّة بين المشروع الديمقراطي وطبيعة التحولات الواقعية في الصومال.
خامسًا: التحديات البنيوية للانتقال السياسي في الصومال
تواجه عملية الانتقال السياسي في الصومال حزمة معقّدة من التحديات البنيوية المتداخلة، التي تجعل هذا الانتقال هشًّا ومتعثّرًا منذ مطلع الألفية الجديدة. وتأتي في مقدمة هذه التحديات هشاشة وضعف المؤسسات الأمنية المستمرة، وما يصاحبها من تهديدات متواصلة تمثلها حركة الشباب، إلى جانب الخلافات المزمنة بين الفاعلين الرئيسيين حول تحديد الصلاحيات، وإدارة الموارد، ورسم حجم ومستوى السلطة لكل مستوى من مستوبات الحكم. كما تسهم التدخلات الإقليمية والدولية، في سياق تنافس النفوذ والمصالح، في التأثير على خيارات الفاعلين ومسار العملية السياسية والانتخابية، بما يحدّ من استقلالية القرار السياسي الوطني ويُفرغ الانتقال من مضمونه السيادي.
وفي هذا السياق، ظلّ الانتقال إلى نظام انتخابي مباشر قائم على حق الاقتراع العام (صوت واحد، شخص واحد) هدفًا مؤجّلًا يتكرر طرحه في كل موسم استحقاق انتخابي دون أن يجد طريقه إلى التنفيذ. فقد أُعلن عنه خلال الولاية الأولى للرئيس حسن شيخ محمود (2012–2017) بوصفه أفقًا للإصلاح السياسي، غير أنّ الحكومة اضطرت لاحقًا إلى الإقرار بفشل تحقيقه. ثم جرى إقراره قانونيًا خلال عهد الرئيس محمد عبد الله فرماجو عام 2020، إلا أنّ هذه الخطوة اصطدمت بمعارضة ولايات فيدرالية رئيسية، وبشكوك سياسية واسعة حول التوقيت والدوافع، فضلًا عن ضعف البنية المؤسسية للدولة، وعدم جاهزيتها لإدارة اقتراع عام شامل ولا يعود تعثّر وفشل الانتخابات المباشرة إلى عوامل تقنية أو إجرائية فحسب، بل إلى أربعة معيقات بنيوية رئيسية متجذّرة في طبيعة الدولة والمجتمع السياسي الصومالي:
أولًا، غياب مصالحة وطنية شاملة قادرة على إنهاء النزاعات العشائرية والسياسية التي تتجدّد مع كل دورة انتخابية، وتُعيد إنتاج الانقسامات بدل تجاوزها.
ثانيًا، الهشاشة الاقتصادية العميقة واعتماد الدولة شبه الكامل على الدعم الخارجي في تمويل مؤسساتها وتنظيم الانتخابات، وهو ما يقوّض الاستقلالية المالية والسياسية للعملية الانتخابية، ويجعلها رهينة لحسابات خارجية.
ثالثًا، استمرار هيمنة البنية العشائرية من خلال نظام المحاصصة القبلية (4.5)، الذي حدّ من تطور الحياة السياسية الحديثة، وأعاق نشوء نظام حزبي وطني قائم على البرامج والتنافس السياسي، لا على الانتماءات الأولية ما دون الهوية الوطنية الجامعة.
رابعًا، التحدي الأمني البنيوي المتمثل في سيطرة حركة الشباب على مناطق واسعة من البلاد خاصة من جنوب ووسط الصومال، بما يجعل تنظيم اقتراع مباشر شامل أمرًا بالغ الصعوبة في المدى القريب. وقد شكّل هذا العامل الحجة الأبرز لدى المكونات العشائرية والسياسية المتمسكة بنظام المحاصصة (4.5)، الذي يُستخدم، في كثير من الأحيان، لتكريس الولاءات الشخصية والنخب التقليدية بدل توسيع قاعدة المشاركة الشعبية.
وعليه، فإن أزمة الانتخابات في الصومال لا تمثّل خللًا إجرائيًا عابرًا في آليات الاقتراع، بقدر ما تعكس مأزقًا بنيويًا في عملية بناء الدولة نفسها. وهو ما يفسّر بقاء الانتخابات المباشرة في خانة «المشروع المؤجَّل»، ما لم تُعالج هذه التحديات الأمنية والسياسية والمؤسسية معالجة شاملة ومتزامنة، تضع الانتقال السياسي في مسار تأسيسي جديد يتجاوز إدارة الأزمة إلى تفكيك أسبابها الجذرية ومعالجتها.
سادسًا: الدولة الممكنة – قراءة في السيناريوهات المستقبلية
يكشف السياق الصومالي أن الانتخابات لا يمكن مقاربتها باعتبارها آلية تقنية مستقلة، أو إجراءً دوريًا كفيلًا، بذاته، بإنتاج الاستقرار السياسي. فعملية الاقتراع في الصومال تظل مشدودة إلى ديناميات الدولة المعطّلة أو الفاقدة لفاعليتها(المشلولة)، حيث تتحول الانتخابات، في كثير من الأحيان، من أداة للمصالحة الوطنية وبناء المؤسسات على أساس المواطنة والمشاركة السياسية، إلى ميدان للصراعات السياسية النخبوية، و—في مستوى أعمق—إلى ساحة لإعادة إنتاج النزاعات القبلية. وتعكس هذه التحولات، بدرجة مقلقة، تناقضات بنيوية راسخة في طبيعة الدولة الصومالية وعلاقتها بالمجتمع.
وانطلاقًا من ذلك، يظل السؤال الجوهري المطروح، سواء في الأفق القريب أو البعيد، سؤالًا وجوديًا يتعلق بمستقبل الدولة نفسها: هل يستطيع الصومال إنجاز انتقال ديمقراطي حقيقي قائم على قواعد متفق عليها للبناء المؤسسي والشرعية السياسية؟ أم أن كل محاولة إصلاح جديدة ستفضي، في نهاية المطاف، إلى إعادة إنتاج منطق «الانتقال المأزوم» في مشهد دوري لم يغادر مكانه منذ انهيار الحكومة المركزية عام 1991؟ وتفترض الإجابة عن هذا السؤال تجاوز المقاربة الإجرائية الضيقة للانتخابات، والانتقال إلى مقاربة تأسيسية شاملة، تضع مسألة إعادة بناء الدولة في صلب العملية السياسية ويشمل ذلك، في المقام الأول، إرساء آليات دستورية شرعية تقوم على التوافق الوطني لا على الغلبة السياسية، وتضمن وضوح قواعد اللعبة السياسية واستقرارها.
كما يتطلب مسار «الدولة الممكنة» تعزيز دور المجتمع المدني بوصفه وسيطًا بين الدولة والمجتمع، ودعم استقلالية المؤسسات الانتخابية، بما يحدّ من توظيف الانتخابات كأداة للصراع، ويعيد إليها وظيفتها التمثيلية. وإلى جانب ذلك، تبرز أهمية بلورة شراكات محلية–إقليمية متوازنة، تُسهم في تحصين القرار الوطني من التدخلات السلبية، وتساعد على إعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء على أسس قانونية ودستورية واضحة.
وعليه، فإن مستقبل الدولة الصومالية لا يرتبط بإجراء الانتخابات في حد ذاتها، بل بمدى القدرة على تحويلها من لحظة صراع إلى لحظة تأسيس، ومن أداة لإدارة الأزمة إلى مدخل لإعادة بناء الدولة الوطنية. وبين سيناريو إعادة إنتاج الانتقال المأزوم، وسيناريو الانتقال التأسيسي، تتحدد ملامح «الدولة الممكنة» في الصومال خلال المرحلة القادمة.
الخاتمة:
تُجسِّد أزمة الانتخابات في الصومال، في جوهرها، تعبيرًا عن أزمة الدولة الصومالية ذاتها، وليست مجرّد إشكال فني أو إجرائي يتعلّق بشكل الاقتراع أو توقيته. فالعملية الانتخابية، كما أظهرت مسارات التحليل، تعمل داخل بنية دولة مختلّة، ما يجعلها عاجزة عن أداء وظيفتها الأصلية بوصفها أداة لإنتاج الشرعية السياسية، وتجديد النخب، وتدعيم الاستقرار المؤسسي.
ويُظهر مسار الانتقال السياسي أن تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي يظل أمرًا متعذرًا ما لم ينجح الصومال في تجاوز تراكمات الصراعات العشائرية والسياسية، وما يرتبط بها من انقسامات مناطقية وهويات فرعية تُوظَّف في الصراع على السلطة. كما يتطلب هذا الانتقال تفكيك منظومة الولاءات التحتية التي هيمنت طويلًا على المجال السياسي، وفتحت المجال أمام إعادة إنتاج النخب التقليدية بدل تجديدها.
وفي هذا الإطار، تصبح إعادة بناء الدولة الصومالية—بوصفها دولة مؤسسية فاعلة وقادرة على أداء وظائفها السيادية—شرطًا تأسيسيًا يسبق العملية الانتخابية ويواكبها في آنٍ واحد. ويشمل ذلك تعزيز شرعية المؤسسات الدستورية، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية بما يتجاوز الترتيبات النخبوية المغلقة، وترسيخ قواعد واضحة ومستقرة للمنافسة السياسية تقوم على المواطنة لا على الانتماءات الأولية القبلية والجهوية والطائفية وغيرها من تجذر الهويات الفرعية دون الهوية الوطنية الجامعة.
وعليه، فإن أي عملية انتخابية لا تُدرج ضمن مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة ستظل محكومة بمنطق «الانتقال المأزوم»، وتُسهم، بدل تجاوز الأزمة، في تعميق جذورها البنيوية وإعادة إنتاجها بأشكال أكثر تعقيدًا.
ومن ثمّ، فإن الرهان الحقيقي في الصومال لا يكمن في توقيت الانتخابات أو شكلها، بل في القدرة على تحويلها من أداة لإدارة الأزمة إلى مدخل فعلي لتأسيس دولة ممكنة، شرعية، وقابلة للاستمرار.
قائمة المراجع والإحالات:
أولًا: المراجع العربية
- أبتدون، الشافعي. (2021). الانتقال السياسي في الصومال: المسارات والمطبات. المركز الإفريقي للاستشارات، 3 يناير/كانون الثاني. متاح على: https://bit.ly/3DbThfu
- أبتدون، الشافعي. (2023). الصومال والانتقال السياسي عبر نموذج انتخابي مباشر: تحدياته ومآلاته. مركز الجزيرة للدراسات. متاح على: https://studies.aljazeera.net
- عيسى، عبد الرحمن. (2018). الانتقال الديمقراطي في الصومال وتأثير الشباب فيه. مجلة سياسات عربية، العدد (32)، مايو/أيار. متاح على: https://siyassat.org
- غولني، عبد القادر. (2023). مستقبل الصومال في ضوء الانتخابات المقبلة. المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي)، 26 أكتوبر/تشرين الأول. متاح على: https://afropolicy.com
- غولني، عبد القادر. (2025). إلغاء التعديلات الدستورية كمدخل لاستعادة الثقة الوطنية في الصومال. المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي)، 5 أغسطس/آب. متاح على: https://afropolicy.com
ثانيًا: المراجع الأجنبية:
- Elmi, Afyare Abdi. (n.d.). Political Dispensations in Somalia: A Dangerous Path. Al Jazeera Centre for Studies. Available at: https://studies.aljazeera.net
- Samatar, Abdi. (2012). “Somalia’s Fleeting Opportunity for Hopeful Change?” Al Jazeera Online, September 18. Available at: http://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2012/09/201291612255832176.html.( October 15, 2016).
- Federal Republic of Somalia. (2016). Communiqué: Consultation Meeting between the President of the Federal Republic of Somalia and the Presidents of Puntland, Jubbaland, and South West Somalia. Villa Somalia, September 28. Available at:




