
تشهد منطقة الشرق الأوسط، خاصة خلال السنوات الخمس الأخيرة، حالة من الغليان التي لم يسبق لها مثيل، لم تبدأ في السابع من أكتوبر 2023، كما أعتقد البعض، بل كانت قبلها ساخنة بما يكفي، ولكن… يمكن أن نقول أنه قد بدأ التنفيذ النهائي للشكل الجديد للمنطقة منذ ذلك التاريخ – وليس ذلك موضوعنا – ومن ضمن الشكل الجديد للمنطقة هو تغيير القيادة الإيرانية عبر القضاء على الأذرع الرئيسية المُتحكمة في استراتيجيتها التي تمارسها منذ 50 عاما في المنطقة، والتي بكل صراحة لم تسفر سوى عن علاقات متوترة مع جيرانها، ولم تكتفي بذلك بل تعدتها لتصل لمرحلة معاداة العالم أجمع.
سقوط إيراني في الفخ
سقطت إيران وبقوة في الفخ المرسوم لها بدون تفكير للحظة واحدة، وقامت بمهاجمة دول الخليج أو ما تسميه القواعد الأمريكية بتلك الدول، وهو ما يتنافى مع العقل والمنطق لأن تلك الدول وعلى رأسها السعودية والإمارات قد أكدتا على رفضهما للانخراط والتورط بتلك الحرب، بل طلبتا من الولايات المتحدة عدم استعمال القواعد الأمريكية بدولها أو حتى مجالها الجوي في ضرب إيران أو الهجوم عليها وممارسة أي صورة من الأنشطة العدائية ضدها، على الرغم من ذلك سارعت إيران بإطلاق الصواريخ بكثافة عي كل دول الخليجية حتى عُمان، التي كانت تقوم بدور الوساطة بين طهران وواشنطن لم تسلم من نيرانها، ويبدو أن القيادة الإيرانية الآيلة للسقوط، قد وقعت في المصيدة مثل الطفل الصغير الذي يقوم بتكسير ألعابه وإلقاء كل ما على المنضدة بمجرد أن يشعر بالغضب الشديد.
بدلًا من أن تعي القيادة الإيرانية الجديدة أنها تم جرها لذلك الشرك بل تمادت وقامت بالهجوم على مصافي النفط السعودية – المملكة كانت توسطت لها عبر ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان” خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة لحث واشنطن على استمرار التفاوض مع طهران بدون اللجوء للحرب – إذا لم تُدرك طهران تلك النقطة فأن الفخ الذي تم جرها إليه سيُحقق هدفه بالتأكيد من إثارة الرأي العام العربي والدولي ضدها بشكل أوسع ويفقدها ما تبقي من علاقات حالية ومستقبلية، وبدلا من أن تكون في موقف المُدافع ستتحول لمهاجم يضرب الدول الآمنة المسالمة.
القيادة الإيرانية الجديدة
تباينت ردود الفعل العالمية بعد اغتيال المرشد الإيراني الأعلى “علي خامنئي”، ولكن الشيء المؤكد أن سياسة الاغتيالات والتصفيات لم تُحقق نتائج مستدامة بل قد تُحقق بعض الهدوء النسبي يُعقبها صراع أكثر دموية، ولتلافي ذلك على القيادة الإيرانية الجديدة أن تفتح صفحة مختلفة عن توجه القيادات السابقة، ولا تأخذ الأمور بنظرة عقائدية، التغيير الحتمي الآن يتطلب أن تعلن طهران عن وقف هجماتها على دول الخليج، وتعيد التواصل الدبلوماسي معها، ثم تنتقل لمرحلة الاستعداد للتفاوض مع الولايات المتحدة بعد وقف مؤقت لإطلاق النيران، العقل يقول أن طهران في موقف لا تحسد إليه، والفرصة الآن كبيرة للوصول لبعض نقاط التفاهم المشتركة، خاصة في وجود قيادة جديدة يمكن أن تُعلن عن نيتها الدخول في مفاوضات جادة.
الجميع لا يريد أن تكون تلك الحرب طويلة الأمد، بل ربما كان المقصد من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي بدأ بالقضاء على القيادات السابقة يهدف لبداية مرحلة جديدة قد يرى البعض أنه يُمكن التفاوض فيها بشكل مختلف، وهي ربما رسالة خفية ينبغي للقيادات الإيرانية الموقتة الجديدة استغلالها منعًا لتدمير كامل للبلاد، الهدف يكون الوصول لنقاط تفاهم مشتركة بدون الخضوع الكامل أو الاستسلام هو ما يمكن تحقيقه الآن وليس غدًا، الذي قد يكون المُجهز له أشد قوة مما سبقه، وقد لا تكون مرحلة الخروج السلس مُتاحة وقتها.
الوقت يمر والتحرك العقلاني السريع من جانب القادة الإيرانية – وهي في حالة تسمح لها بذلك – بدون استسلام أو هزيمة أو خسارة ما تبقى لها من علاقات مع جيرانها، أصبح أمر حتمي.




