السياسةالصومالثقافة واجتماعمقالات

زعماء الصومال وهوس الاستقبال

وصل” قلبِ طَغَحْ [1]” أخيرا إلى محطته النهائية، في جولة لا يعرفُ لماذا بدأت، ولماذا كانت من الأساس، ولكن المعلوم والمؤكد بأنها كانت صومالية بامتياز، فصخب وخروج إلى الشوارع والهتاف المصاحب وضعها ضمن اللامعقول السائد لسنوات بين أبناء الوطن في داخله وخارجه، حتى أصبح معيار القبول الاجتماعي يقاس بعدد الحضور الصارخ والهاتف بالحماس، فكأن العمل القيادي والريادي في الصومال لا قيمة له إلا إذا سُمع صداه العاطفي الغير المنطقي في الشوارع، وذلك في انقلاب حقيقي على مفهوم القبول الجماهيري في السياسة.

فما نشاهده اليوم في الصومال، يقلُّ أن يوجد له نظير عند الأمم الأخرى المعاصرة و السابقة، صحيح كان هناك أيام تاريخية خالدة لخروج شعوب بأكملها لملاقاة الزعماء؛ لكنها كانت استثنائية، وتحت ظروف غير معتادة، مثل زيارات الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر المحفورة في الذاكرة كزيارته لحلب ودمشق والخرطوم وعدن وغيرها من المدن العالم، والتي كانت دائماً تلقى حالة جماهيريه خاصة، “فعبد الناصر” أضاف لتاريخ التشريفات واستقبال الزعماء صفحة صاخبة لا ينكرها مؤرخ، فهو قلَّب القواعد الرسمية الجامدة إلى أخرى شعوبية عاطفية جامحة، فتلك البرتوكولات والضوابط و الأًصول ظلت حاجزا زجاجيا يسمح للطرفين رؤية بعضهما بعضا، ويمنع غير ذلك.

عرف ” عبد الناصر ” بأن للمسة والقبلة والحضن والهتاف العفوي معنى أبعد من لحظتها المؤقتة، فالابتهاج الذي كان يحضره ” عبد الناصر ” في خطاباته الحماسية وفي مغامراته السياسية الخطيرة كانت تبعث في نفوس العرب آنذاك الكثير من معاني العزة والكرامة، وتوقظ في أرواحهم اليائسة الأمل الحتمي المؤكد، فكان في وجوده ساحراً، وفي غيابه ماكراً، وفي موته حاضراً بقراراته وبنتائج معاركه التي تلاحق الزمن دون توقف؛ مما جعله يتربع بعقول الجماهير مدة طويلة، ولكن مع ذلك كان استقباله الجماهيري في أيام معدودة، ولشخصه فقط، فلم تحط بقية شخصيات الدولة المصرية المعاصرة ذلك الشرف.

فخروج الجماهير معناه خروج حقيقي للعواطف، فلم تكن عواطف الجماهير سهلة الاستثارة أو العزف بها؛ لذلك احتراما لمشاعر الشعوب ظلت البرتوكولات الرسمية عنوانا رئيسيا لاستقبال الزعماء لا الحناجر.

إن القاعدة الصومالية التي تقول: أنت زعيم صومالي أو تريد أن تكون زعيماً وبالتالي عليك أن تقوم بـ : دق الطبول، واستنزاف العقول، و إعلان المعقول واللامعقول، و تعهَّد بأنك المسؤول عن كل الحلول، جعلتنا نخرج لكل شارد و وارد، مما أتعب النفوس والأجساد، وأزهق الأموال والأوقات، و جعل الأطفال في دائرة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأذل النساء كما لم يذلهن أحد، فهي من تخرج وتصرخ وتلبس الأحمر والأًصفر والأبيض والأزرق، و ترقص “البرابُر” في الطريق بلا مناسبة، وتزغرد بلا بوادر فرح، وتحمل الورود الاصطناعية لعلها تصنع مجدا لـذكور يبحثون عن الرجولة السياسية بأرخص الطرق، وأبسط الحيل، فهم البارعون في الخطابات المرتجلة الغير الرزينة، والمتخبطون عند الجلوس والمحاسبة، يعشقون نفخ الذات، واستعراض العضلات، لا نذكر منهم إلا إنهم حضروا وتكلموا وغادروا.

في الوطن لا وقت فيه للكلام، واستحضار الشعار، فلقد تلكمنا حتى ملَّتنا عواصم العالم، وجلسنا في مؤتمرات حتى أًصبح الجميع يغادر بمجرد حضورنا، إذاً فما الحكمة من الاستقبال إذا كان الحضور لا يصنع فرقاً، وما الفائدة من الهتاف إذا كانت الكلمات تذهب سدًى ؟، متى سوف يتم استقبالنا نحن كمواطنين محترمين وتفتح الأبواب المغلقة أمامنا، ونشارك نحن مع السادة في صناعة القرار، وصياغة الخطاب، ونقله إلى أرض الواقع ؟ ومتى نتحرر نحن من الهتاف والوقوف في الطرقات مستقبِلين مَن نعرف ومَن لا نعرفه؟

الهامش :

…………………………………………………………………………………………………….

[1] – كلمة “قلب طغح”، تعني قلب الحجر، وهي لقب لمواطن صومالي تم تسليمه للحكومة الإثيوبية نهاية 2017م،، واسمه عبد الكريم موسى، ثم أُفرج عنه مؤخرا إثر تغير نظام الحكم في إثيوبيا، وأثار ذلك الرأي العام المحلي قبل وبعد..كما أثار الاستقبال الجماهيري الذي حظي به ضجة وتساؤلات من نوع آخر.

فاطمة محمد حوش

كاتبة صومالية، وطالبة دكتوراة في علم النفس التربوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى