الصومالمقالات الرأيوجهات نظر

عام على مجزرة ١٤ أكتوبر في مقديشو

في مثل هذا اليوم ١٤ أكتوبر ٢٠١٧م حدث انفجار هائل في تقاطع سوبي بالعاصمة الصومالية مقديشو، وكان ذلك في عز الظهيرة، وفي ذروة الازدحام.

ها نحن اليوم نشهد ذكرى مرور عام على الفاجعة، نعم، مضى عام وانقضى على الحادث الأليم والفاجعة المروعة ضد الأبرياء من أبناء الشعب الصومالي، ولم يكن كأي حدث وإنما كان حدثا هز ضمائر العالم؛ فأُطفئت به أنوار برجي إيفل الشهير بفرنسا وبرج سي إن في كندا تضامنا مع الضحايا وتخليدا لذكراهم؛ وذلك في لفتة إنسانية نالت إعجاب الصوماليين والعالم.

كل شيء بدا طبيعيا في ذلك اليوم قبل أن نتفاجأ على صوت انفجار رهيب ومهول اخترق الحاجز الصوتي لآذاننا، وكأن زلزالا قد وقع؛ حيث لم يحدث قط انفجار أبشع وأفظع من هذا الانفجار في تاريخ البلاد، وربما في أفريقيا، وهو انفجار راح ضحيته مئات الأشخاص أو ما يناهز ألف شخص، إضافة إلى الذين فقدوا أطرافهم وأعضاء مهمة من أجسادهم، لم تترك الفاجعة بيتا إلا وقد طرقت أبوابه.

وبالفعل كان المشهد مؤثراً جدا لما بدا على الجثث، وما كان يُرى في مسرح الحادثة من أجساد تتطاير وتلتهب، وشظايا تتناثر وتبتعد، وأطراف رؤوس تظهر هنا وهناك وقد اعتلتها سطوح البيوت، كما اختلطت الأشلاء فيما بينها، وبات من الصعب التمييز فيما بين أعضاء تلك الجثث؛ مما أدى إلى ضم أصحابها في عداد المفقودين لاستحالة التعرف على هوياتهم، وبذلك ذهبت أرواح خيرة شبابنا، ممن هم كانوا للعز والفخر في بلادنا عنوان.

  • نصب تذكاري لا يكفي

يجب ألا يمرّ هذا اليوم هكذا مرور الكرام كأي خبر يحمل أرقاما بالضحايا والخسائر المادية، فيكون خبرا يشغلنا في وسائل التواصل الاجتماعي بضع ساعات ثم ينتهي بانتهاء قراءة آخر كلمة فيه، بل يجب أن يأخذ مجراه من العدالة كل من كان وراء هذه الجريمة البشعة النكراء.

 وإننا لغاية الآن لم نحرك ساكنا، ولم نفعل شيئا، ولن نفعل من أجل إنقاذ ما تبقى من المسبحة المفتوحة، ارتمينا في أحضان اليأس، لقد دفعنا غضبنا وحُبنا لبلدنا لردود أفعال غير محسوبة ومبنية فقط على العواطف، واكتفينا بالبكاء على الأنقاض، وأن نذرف على الضحايا دموع التماسيح، والأمر لا يتطلّب فقط تشييد نصب تذكارية تُكتب عليها التاريخ بلون أحمر، وإحياء ذكراه سنويا ودغدغة العواطف على أرواح تنبش تحت التراب وتنتظر العدالة. بل يتطلّب الأمر متابعة وتحقيق وعدالة وسدّ منافذه، وتبدو الحكومة مكتوفة الأيدي، وتجد نفسها عاجزة عن حطّ حزامها الأمنيّ حتى الآن.

فمجزرة سوبي يجب أن تزيدنا قوة وصلابة في الدفاع عن أرواح الناس وممتلكاتهم، وان لم نفعل ذلك فمن المحتوم أننا سنبني نصبا تذكارية كثيرة !

  • خطوة في الاتجاه الصحيح

ومع تنفيذ حكم القصاص على أحد الجناة ممن شاركوا في الجريمة المروعة صبيحة اليوم الذي يصادف الذكرى السنوية الأولى للمجزرة؛ فإن هذه الخطوة وإن كانت لا تسمن ولا تغنى من هول الحادثة فإنها خطوة صغيرة تصب في الاتجاه الصحيح على أن تتلوها خطوات جادة في محاسبة الجناة، وكل من تسول له نفسه النيل من أمن وسلامة وممتلكات المواطنين والعبث في الأرض فسادا.

  • متاجرة بدماء الضحايا

14 أكتوبر تعيد لأذهاننا تلك المجزرة الدموية التي فاقت تصور عقول البشر، ولا تزال معلّقة في خلد أذهاننا وسماء ذاكرتنا، ورائحة دماء من فقدناهم فوّاحة وعطرة حتى الآن تشمها أنوفنا وتتحسر قلوبنا على رحيلهم، فكم من دماء بريئة أهرقت، وكم من أخ فَقَدَ أخاه أو أخته، وكم من أمّ ثكلت وفقدت فلذة كبدها، وكم من زوجة ترمّلت، وكم من ابن أو ابنة تيتّم، وكم من شاب في مقتبل العمر صاحب آمال عريضة لقي حتفه فيها خلال رمشة عين، ولم يتمتع بما سعى إليه سنين طوال، لكن المؤسف أن الأبواق السياسية لا تتعلم، وتريد أن تسجل مواقف سياسية على حساب مآسي الناس ومحاولة المتاجرة بدماء الأبرياء والشعب؛ مما يدل على انفصامهم عن الواقع، وانعدام الأخلاق عندهم، وموت ضمائرهم، وشعورهم الإنساني.

ومن هنا نحيِّي تضامن شعبنا مع أهالي الضحايا وجمع التبرعات لمواساة الأرامل والأيتام ورعايتهم من قبل المحسنين والشركات الكبرى في البلاد، وهذا يدل على شهامة الشعب الصومالي رغم الظروف التي يعاني منها؛ كما لا يفوتنا أن نشكر من كل قلوبنا دولة تركيا الشقيقة التي هبت لنجدة الضحايا، ووفرت طائرة عسكرية لنقل الجرحى وعلاجهم في داخل تركيا، و الشكر موصول لكل الدول الأخرى التي وقفت بجانب الشعب الصومالي في تلك النكبة الأليمة. ودعواتنا الحارة لشهداء الحادثة الأبرار -نحسبهم كذلك والله حسيبهم – و تعازينا القلبية لأهالي الضحايا، ونسأل الله أن يلهمهم الصبر والسلوان.

أنيسة صلاد

طبيبة وكاتبة مهتمه في الشؤون الاجتماعية وتوعية المجتمع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى