التقرير الشهريالسياسةالقرن الأفريفيتحليلات

مأزق الانتخابات في الصومال..”اتجاهات التصعيد وسيناريوهات الحل”

تمهيد:

للاطلاع على الملف بصيغة بي دي إف اضغط “هنا”

بعد عقد من الفوضى والاقتتال الداخلي تمكن الصوماليون عام 2000م من التوافق على صيغة مؤقتة لتشكيل نظام حكم انتقالي مبني على المحاصصة العشائرية للسلطة، هذه الصيغة التي كان من المفترض آن تكون صالحة لمدة ثلاثة سنوات فقط ينتقل بعدها نظام الحكم في البلاد إلى التعددية السياسية والانتخابات المباشرة لم تتحرك الأنظمة المتعاقبة على الحكم لتجاوز البلاد هذه الصيغة؛ وذلك رغم نجاح البلاد في إدارة الاستحقاق الانتخابي والتداول السلمي للسلطة أكثر من ثلاث مرات منذ استعادة الصومال حضورها الدولي والإقليمي عام 2000 بصرف النظر عن العيوب التي رافقتها.

وقبيل انتهاء ولاية الرئيس محمد عبد الله فرماجو، وبعد مناقشات ومباحثات مضنية بين الفاعلين السياسيين في البلاد من حكام الولايات والحكومة الفيدرالية توصلوا إلى اتفاق 17 سبتمبر 2020 الذي نص على استعاضة الانتخابات المباشرة بانتخابات غيز مباشرة شبيهة بالانتخابات التي عقدت في 2016-2017، وبالفعل تم تدشين الانتخابات والانتهاء من مجلس الشيوخ ” الغرفة العليا للبرلمان ” المكون من 54 عضوا. وبدأت ولايتا جنوب غرب الصومال وولاية غالمودوغ بإجراء انتخابات مجلس الشعب “الغرفة الدنيا ” للبرلمان المكونة من 275 عضوا إضافة إلى ممثلي صوماليلاند في مقديشو؛ ولكن تم انتهاك جميع البرتوكولات الناظمة للنموذج الانتخابي والآليات التنفيذية المتفق عليها من حيث تحديد شيوخ العشائر المخولين لاختيار الهيئة الناخبة لكل مقعد برلماني في مجلس الشعب، وتكرر بشكل ممنهج منع بعض المرشحين من خوض السباق، بعضهم كانوا ممن شغلوا المنصب، وهذا مما أثار حفيظة الناس وجعل العملية الانتخابية على المحك وتفقد الثقة سواء على المستوى المحلي أو الدولي.

تعقيدات الوضع المحلي

الوضع المحلي في الصومال دائما ما يتسم بتعقيداته الاجتماعية والسياسية والأمنية، والتي تراكمت بفعل عامل الزمن مع غياب أي رغبة ملحة لمواجهتها بسياسات وخطط ناجعة لمعالجتها من قبل الأنظمة السياسية المتعاقبة في حكم البلاد منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا؛ حيث طغت مظاهر الفساد، وجشع الساسة وموظفي القطاع العام في نهب المال العام من أجل الثراء العاجل على حساب الوطن والمواطن. وفي ظل هذه الأوضاع فإن النظام الحالي المنتهية ولايته يجبر الشعب بين خيارين أحلاهما مر، وهما قبول إعادة انتاج النظام الحالي وفرضه بانتخابات صورية وهلامية لا تتسم بأدنى معايير الشفافية والنزاهة أو عودة البلاد إلى المربع الأول من الاقتتال والتناحر القبلي الذي شهدته البلاد في بداية التسعينيات.

الانتخابات والمنعطف الزلق

الانتخابات في الصومال كانت دوما مصحوبة بسحب من المخاطر تتقاذفها الرياح السياسية والأمنية في البلاد، وأن أول أزمة في البلاد تعزي للانتخابات التشريعية في نهاية ستينيات القرن الماضي التي كلفت البلاد بحياة رئيس الجمهورية الذي ذهب ضحية لتلك الانتخابات وفي خضم تداعياتها وما شابها من عمليات تزوير فاقت حجم بلد وليد مثل الصومال.

وبعد أكثر من خمسة عقود ها هي الصومال تشهد مخاضا عسيرا لانتقال سلمي للسلطة عبر المعادلة العشائرية التي كان من المفترض أن تنتهي صلاحيتها بحلول عام 2003م. ولا يزال القلق ينتاب أبناء هذ البلد تجاه المستقبل في ضوء معطيات المشهد السياسي الحالي الذي يتهادى وتتجاذب دفتيه أطراف تنعدم فيها الثقة وقنوات التواصل الفعالة فيما بينها؛ حيث أن هناك سلطة استنفدت ولايتها الدستورية وتكمل عامها الأول كحكومة تصريف أعمال، وتسعى جاهدة البقاء في السلطة لولاية ثانية وبأي ثمن حتى لو افضي الأمر القيام بتزوير فاضح للانتخابات وفي وضح النهار، وفي المقابل هناك معارضة ترى استفزازات السلطة بمثابة استباحة لكرامتها وحقوقها الدستورية، وأن حمل السلاح في وجه هذه السلطة هو الخيار الوحيد بعد استنفاد بقية الخيارات السلمية المتاحة.

خريطة الفاعلين السياسيين

يتجاذب في المشهد السياسي الصومالي عدد من الفاعلين، وهذه الأطراف هي: رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، وحكام الولايات، والمعارضة، وتتفاوت تأثيرات هذه الأطراف حسب ما يملكه كل طرف من أوراق ووسائل ضغط.

أولا: رئيس الجمهورية

في شهر فبراير عام 2017م انتخب البرلمان الصومالي محمد عبدالله محمد “فرماجو” رئيسا للجمهورية لمدة أربع سنوات على أن تذهب البلاد بعدها انتخابات تعددية مباشرة، لكن هذه السنوات الأربعة انقضت في وقت لم يتحقق الحد الأدنى من المتطلبات الأمنية والفنية والسياسية للانتخابات العامة. وكان فرماجو الغامض الذي لم يكن الصوماليون يعرفون عنه كثيرا ما عدا أنه تولى رئاسة الحكومة لفترة محددة من عام 2011م، وكان النظام الحكومي في البلاد آنذاك قيد التأسيس، وقد استثمر “فرماجو” هذا الغموض في حين غفلة مع نخبة سياسية تسببت بخيبات أمل للشعب الصومالي، وكانت بمثابة محاكمة علنية لهذه النخبة السياسية، وكنتيجة طبيعية لذلك فاز فرماجو بمنصب الرئيس، واستبشر الصوماليون في الداخل والخارج به، لكن نشوة الاحتفال تبددت، وبدأ الغموض ينجلي ويتلاشى شيئا فشيئا مثل سحابة صيف كان انقشاعها أمرا محتوما، وبالتالي انتهت فترة التمسكن، وظهر تعطش الرجل للسلطة إلى العيان، وبدلا من تنفيذ بعض من وعوده الانتخابية بدأ فرماجو يخطط كيف يبقى في سدة الحكم لأطول فترة ممكنة وبأي ثمن، وتجسد هذا الطمع في عدد من الخطوات قام بها، والتي منها:

  1. الدعاية الاعلامية وتضليل الرأي العام

 الرأسمال الوحيد لفرماجو هو اعتماده على تضليل الرأي العام ودغدغة عواطف البسطاء بوطنية زائفة، وإحاطة نفسه بمجموعة من نشطاء المواقع الاجتماعية الذين مهتهم كانت الترويج للرجل والهجوم على بقية السياسيين والنيل منهم بطرق وأساليب غير أخلاقية وغير قانونية.

  1. تطويع مجلس الشعب وتجميد مجلس الشيوخ وإقصاء حكام الولايات

وفي إطار سياساته التسلطية قام فرماجو في وقت مبكر بتطويع مجلس الشعب وتجميد مجلس الشيوخ وإقصاء حكام الولايات؛ وذلك من أجل إزاحة العقبات في طريق حلمه، حيث قام بإسكات مجلس الشعب وإفراغ مضمونه من أي دور رقابي على السلطة التنفيذية، فتم إرغام رئيس مجلس الشعب محمد عثمان جواري على الاستقالة، وتم استبداله على الفور بشخصية تفتقر إلى المقومات القيادية لتحمل مسئولية بهذا الحجم، وتجاهل دور مجلس الشيوخ وهمَّش رئيسه في خرق فاضح وواضح للدستور الوطني المؤقت، وكذلك قام إعلان الحرب على حكام الولايات وإرغامهم على مغادرة المنصب بطريقة مهينة من أجل تنصيب حكام صوريين يقدمون الولاء المطلق لفرماجو. ونجح في استبدال حكام ثلاثة ولايات (هيرشبيلي، جنوب غرب الصومال وغالمودوغ). وقد خاضت قوات فرماجو في بيدواه وطوسامريب مواجهات مسلحة أدت إلى سقوط قتلى مدنيين، وفي ولايتي بونتلاند وجوبالاند اللتان استعصت على محاولات فرماجو كان يتم التعامل معهم عبر شيطنة حكام تلك الولايات، وتجييش الرأي العام ضدهم، إلى جانب فرض حصار جوي ومنع الرحلات الدولية والمحلية من وإلى كسمايو المركز المؤقت لولاية جوبالاند، ونقل مئات من القوات الحكومية الى محافظة غّدُو بهدف فصلها من سلطة الولاية.

  1. تأجيل الانتخابات والسعي للتمديد

 منذ يومه الأول في القصر بدأ الرئيس المنتهية ولايته العمل من أجل جعل التمديد له خيارا لا مفر منه، فتبنى صيغة انتخابية غريبة ومبرمجة من أجل ضمان فوزه، لا هي انتخابات تعددية مباشرة يشارك فيها جميع المواطنين، ولا هي انتخابات برلمانية تعطي السلطة لحزب الأغلبية في البرلمان، وعند ما وجد أن الطريق مسدود أمام هذه المحاولة انتزع من مجلس الشعب المنتهية ولايته تمديدا له وللبرلمان والحكومة لمدة سنتين إضافيتين، مما جعل النزاع المسلح يطل رأسه من جديد، ويجد فرماجو نفسه ومجلسه التشريعي مرغمين على التراجع عن قرارات التمديد وإعلان تفويض سلطاته وصلاحياته بشأن الانتخابات والأمن لرئيس حكومة تصريف الأعمال، لكن بما أنه كان يملك جهاز الاستخبارات وولاء بعض حكام الولايات،فإنه كان يعرف أنه ما زال يتحكم في المشهد السياسي في البلاد. ومن خلال هذه الخطوات فرض فرماجو واقعا له مخرجان فقط، مخرج سرقة الانتخابات والعودة إلى السلطة، أو مخرج الخلافات وتعقيد الأجواء مما يجعله يبقي في القصر لوقت إضافي.

ثانيا: رئيس الحكومة

 السيد محمد حسين روبلي وجه جديد في السياسة الصومالية، ومغترب يحمل الجنسية السويدية عمل سابقا مهندسا في المشاريع الانشائية في الصومال، ثم لدى منظمة العمل الدولية، وفي شهر سبتمبر من عام 2020م تم تعيينه رئيسا للحكومة خلفا لرئيس الوزراء حسن علي خيري الذي أقال مجلس الشعب الصومالي حكومته في شهر يوليو من نفس العام بعد أن فقد الصبر على التماشي مع الحلقات الأخيرة من طبخة فرماجو للبقاء في السلطة، وهي طبخة كرَّس عليها “حسن علي خيري” جلَّ وقته عندما كان في السلطة.

لم يأت “روبلي” على قدر المرحلة والمسوولية الملقاة على عاتقه؛ وليس الزمن والظروف لصالحه، لا هو محسوب على فرماجو وجوقته ولا علاقته مع المعارضة جيدة، وبالتالي فإن الطريق الوحيد الذي أمامه لضمان تركه إرث جميل في ذاكرة الصوماليين هو أن ينحاز إلى جانب المواطن الصومالي، وأن يركزعلى الانتخابات ونزاهتها، لكن شخصية محمد روبلي المتسمة بالانفعالية والمفتقرة الى الحنكة السياسية تجعل جميع تحركاته غير متزنة؛ حيث راوحت بين انتهاج سياسة مواجهة فرماجو بكل عزيمة والقيام بخلط الأوراق عليه حينا، وبين التراجع والارتماء في أحضانه والاستسلام له، و يبدو أن دوره اقتصر في تقمص دور المجتمع الدولي وإصدار مناشدات وتحذيرات دون تحرك فعلي في المشهد.

ثالثا: حكام الولايات

هروبا من تجربة مريرة تحت حكم عسكري مركزي اتفق المشاركون في مؤتمر المصالحة الصومالية عام 2004م في كينيا على اعتماد الفيدرالية كنظام للحكم في البلاد، نقلة كبيرة لم تحظ بتمهيد الأرضية الفنية والقانونية اللازمة لها، ومنذ ذلك الحين تشكلت في المناطق المعروفة سابقا بالصومال الإيطالي خمسة أقاليم تشكل نواة النظام الفيدرالي، في الوقت الذي ذاته فإن ما يعرف بمناطق الصومال البريطاني سابقا تعلن انفصالها عن بقية الصومال باسم “جمهورية أرض الصومال”.

هذه الولايات المتشكلة ومستوى تناغمها مع سياسات فرماجو متفاوتة كما تناولنا سابقا بين ثلاثة ولايات محسوبة على فرماجو وبين ولايتين لا تزالان تقاومان أطماع الرجل بشكل مستميت، وهناك تفاوت ملحوظ في مدى تناغم الولايات المحسوبة مع سياسيات القصر الرئاسي؛ فولايتا غالمودوغ في الوسط وجنوب الغرب في الجنوب تتماهى مع توجهات فرماجو بشكل حرفي بينما ولاية هيرشبيلي في وسط البلاد لما لديها من مشاكل وانقسامات داخلية أظهرت براعة وحكمة في إدارة انتخابات مجلس الشيوخ؛ إذ نجح حاكم الولاية أن يسابق الزمن من أجل مسك العصا من الوسط لضمان البقاء على رأس الهرم في ظل أطماع فرماجو من جهة والحسابات المحلية للعشائر من جهة أخرى، أدار السيد علي”غودلاوي” الانتخابات بشكل لا يضعه تحت نيران العشائر، وفي الوقت ذاته لا تضعه في مواجهة مع فرماجو، ولهذا لا يزال كثيرون يراهنون على أن الانتخابات تحت إشراف علي غودلاوي حاكم ولاية هيرشبيلي قد تكون أقل تلاعبا مقارنة بنظيراتها في بقية الولايات الأربعة وأمانة العاصمة، وهناك نقطة جديرة بالاشارة، وهي أن مقاومة ولايتي جوبالاند وبونتلاند لأطماع فرماجو لا تعني بالضرورة أنهما واحتين ديمقراطيتين؛ حيث أثبتت انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة أنه لا صوت يعلو على إرادةالحاكم .ولهذا يمكن وصف دور حكام الولايات بأنه وعاء واحد يجمع في داخله العلقم والبلسم معا.

 الأقاليم إلى جانب مجالس البرلمان الاتحادي يمثلون طرفي التوازن في المعادلة السياسية مع السلطة التنفيذية الاتحادية، من أجل ضمان عدم تمركز السلطة والثروة في يد السلطة الاتحادية، لكن عند ما لا تمثل الولايات إرادة شعب الولاية أو تتماهي مع أطماع مع القصر الرئاسي عند ذلك تنعدم الموازنات وتختلط الأوراق وتصبح البلاد على فوهة البركان.

رابعا: المعارضة

 المعارضة ممثلة في اتحاد المرشحين تعاني من استباحة في حقها في ظل غياب أي وسائل ضغط سلمية تخدم لصالحها، مشكلتها أن ضعفها يكمن في قوتها، هي معارضة من العيار الثقيل فيها رؤساء جمهورية ورؤساء حكومات وحكام ولايات ووزرء وبرلمانيون سابقون، لكنهم في بلد ينظر إلى السياسيين السابقين كأنهم أشياء قابلة للاستخدام لمرة واحدة فقط، بعدها تنتهي صلاحيتها، فأول رئيس للصومال آدم عبد الله عثمان فشل في الفوز لولاية ثانية عام 1967م، وأصبحت بعدها قاعدة لم يشذ عنها رئيس حاول الترشح لولاية ثانية، وكان آخرهم حسن شيخ محمود الذي خسرت مساعيه للولاية الثانية أمام محمد عبد الله فرماجو، وهذا الأخير يعي جيدا هذه القاعدة؛ لذا يحاول أن يخالف جميع مسارات أسلافه للعقود الستة الماضية لعله يصبح أول رئيس صومالي يفوز بولاية ثانية ولو على خراب ما تبقى من النظام الحكومي الهش.

وبناء على هذه المقدمة فإن الرؤساء والحكام السابقين الذين يرجحون وزن وثقل المعارضة يجسدون أيضا أزمة المعارضة وسبب تردد الداخل والخارح للوقوف معها بكل عزم؛ لأنهم في الأمس القريب كانوا في السلطة ولم يتركوا إرثا طيبا بسببه يحنوا إليهم المواطن الصومالي والمانح الدولي، كما أن غياب أي رؤية قيادية تنطلق من عملية مؤسساتية تفصل بين أهمية الرئيس السابق كشخصية قيادية لها مكانتها في المشهد السياسي والذي يدير الحزب أو التحالف من بعيد، ويقدم عددا من الوجوه الجديدة التي تتنافس للترشح باسم الحزب أو التحالف في السباق الرئاسي القادم، وبين النزعة الفردية التي هي سيدة الموقف في توجهاتهم السياسية وتفاعلهم مع التطورات الميدانية تثبت أن غياب رؤية استراتيجية لمواجهة طغيان فرماجو هو ما يعطي الأخير حرية التصرف ومباغتتهم كلما يظنون أنهم حاصروه، ولهذا تعيش المعارضة في الصومال في وضع لا تحسد عليها، وفرماجو لا يترك لها خيارا سوى حمل السلاح ويجعلها بين الخيار الصعب والخيار الأصعب.

تراجع الدور الدولي

بعد انهيار الحكومة المركزية في البلاد وانطلاق محاولات للم الشمل والبحث عن مخرج للأزمة الصومالية كان المجتمع الدولي يقدم تسهيلات مالية وفنية لاستمرار جهود الصوماليين في استعادة نظام مؤسسات الحكم وهيئات المرافق الخدمية، كما أن المجتمع الدولي كان يلعب دور الراعي الذي لديه أدوات الضغط والوعيد لكل من تسول له نفسه عرقلة جهود المصالحة وبناء الدولة، وكان دائما يربط بين الأطراف بما يبذله من أموال ودعم لوجيستي في إطار تحقيق تقدم ووفاق سياسي، وكانت هذه الضغوطات بمثابة العصا والجزرة التي تحافظ على التوازن وعدم خروج الأمور عن السيطرة؛ لكن في الأونة الأخيرة هناك تراجع ملموس لدور المجتمع الدولي وتأثيرات ضغوطه في المشهد السياسي الصومالي لأسباب منها:

  • تراجع الدور الأمريكي: لم يعد الدور الأمريكي حاسما ورادعا كما كان سابقا بل هناك مؤشرات ترقى إلى دعم واضح وانحياز السفير الامريكي السابق دونالد ياماموتا لصالح الرئيس محمد عبد الله فرماجو في أكثر من مناسبة أثناء ولايته إبان إدارة الرئيس الأمريكي ترامب الذي لم يكن يهتم بالملفات الخارجية والديموقراطية في العالم، مما منح لفرماجو إصرارا على أطماعه في السلطة، ورغم أن إدارة بايدن اتخذت مسارا مختلفا ولكن يبدو أنها عاجزة على التأثير في الوضع إيجابا بعد التغييرات والتحديات التي فرضتها تداعيات جائحة كورونا في العالم.
  • الدبلوماسية القطرية التي مارست ضغوطا متنوعة على أطراف فاعلة في المجتمع الدولي لغض الطرف عن تجاوزات نظام فرماجو الذي وقف معها طيلة أزمتها مع جيرانها في الخليج.
  • دخول اثيوبيا في نزاعات داخلية مستنزفة مما جعل المجتمع الدولي يفتقد الدور الإثيوبي الذي كان يقوم بمهام الشرطي الدولي في الصومال.
  • أزمة وباء كوفيد ١٩ الذي شتت الجهود الدولية وجعل التركيز عليه أهم القضايا الدولية الملحة.
  • الانسحاب الامريكي من أفغانستان ألقى بظلال قاتمة على المشهد الصومالي وتساؤلات دولية حول مدى استمرار الأزمة الصومالية، وجدوى بذل مزيد من الجهود والموارد فيها.

كل هذه الأسباب أو بعضها جعلت دور المجتمع الدولي مشلولا بحيث يكتفي بمناشدات خجولة بين الفينة والأخرى، وأعطت بدورها الرئيس المنتهية ولايته الجرأة بالعب علي وتر السيادة الوطنية والتدخل في الشأن الصومالي لاستفزاز المجتمع الدولي وطرد سفراء الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي الذين لا يمنحون الغطاء لإخفاقاته.

 اتجاهات التصعيد وسيناريوهات الحل

يقف الصومال على مفترق طرق ولحظة دقيقة قد تضعه على الاستمرار في مسار التعافي واستعادة روحه أو قد ترجعه إلى أسوأ مما كان عليه في العقود الثلاثة الأخيرة، وهناك ثلاثة سيناريوهات محتمله :

1. تصحيح مسار الانتخابات

وهو ما يتبناه رئيس الحكومة وحاكم بونتلاند ولكن يشكك المراقبون من مدى جديتهما وصدق نواياهما، وهذا التخوف يبدو مشروعا لأن رئيس الحكومة لم يتخذ الخطوات المطلوبة لضمان نزاهة الانتخابات، أما حكام غالمودوغ وجنوب الغرب وجوبالاند فقد باشروا بانتخابات مجلس الشعب دون توضيح البرتكولات الناظمة للنموذج الانتخابي موضع النزاع، في حين أن حاكم ولاية بونتلاند صرح بأن الخيارات الأخرى خطر داهم على مستقبل البلاد، وذلك في إشارة إلى رفضه تعليق الانتخابات التي أثارت موجة من السخط والرفض الشعبي والدولي.

يعد هذا السيناريو في حال صدقت النوايا ولم يكن تكتيكا لكسب بعض الوقت أفضل الخيارات، وقد تراه أطراف من المعارضة على أنه خيار صعب لكنه أقل خطورة من العودة إلى الوراء.

2. تعليق العملية الانتخابية وتشكيل مجلس انتقالي

 يتبنى هذا الطرح جزء كبير من المعارضة، لكنهم يختلفون فيما إذا كانت المرحلة الانتقالية تشمل فرماجو ورئاسته أم أن الأمر ينحصر في التضحية بحكومة روبلي، وهو توجه يتبناه رئيس الحكومة الأسبق عمر عبد الرشيد شرمأركي، وهناك توجه آخر يدعو إلى تجاوز فرماجو ونظامه وتشكيل مجلس انتقالي جديد، وهو نهج تتبناه شخصيات بارزة من اتحاد المرشحين ، وقد أشارت بعض المعلومات إلى أن طرح شرمأركي قد حظى بترحيب مبدئي من القصر الرئاسي وبعض أقطاب المعارضة، ولكن هذه الطبخة لم تتبلور بعد، والوقت هو الكفيل بكشف خيوطها ومدى نجاعتها في حل المأزق الانتخابي الذي وصلت إليه البلاد.

3. انزلاق البلاد لحرب أهلية

في حال لم ينجح السيناريو الأول والثاني لا قدر الله فإن البلاد ستتجه إلى حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، وهو أسوأ الخيارات، وهذا ليس في صالح أي طرف بمن فيهم الرئيس الحالي الذي سينضم رسميا إلى نادي أمراء الحرب.

الخاتمة

يواجه الصومال لمدة عقدين  تحديات عدة منها بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، وكبح جماح حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، وانتقال البلاد الى التعددية السياسية التي ستعطي المواطن الصومالي أن يختار من يمثله في السلطة دون وساطة من شيخ عشيرة أو حاكم إقليم، هذه التحديات لاتزال قائمة وأقوى مما كانت، وجميع الجهود الموجهة لتطويعها ما تزاول تراوح مكانها، المؤسسات الحكومية لا تزال ضعيفة البنية، وأن حركة الشباب تزداد نفوذا وتوسعا، والفساد مستشري من رأس النظام إلى أخمص قديمه، واذا كان سلفة هذا النظام متهم بالنهب والاستيلاء على مساحات أرض في العاصمة فإن فساد هذا النظام أصبح عابر للقارات، وأن أموال دافعي الضرائب والمساعدات المقدمة من المانحين يتم تهريبها الى الخارج لشراء مجمعات سكنية في الخارج.

إن مسيرة الديموقراطية في البلاد تواجه خطرا داهما بعد انتهاء الولاية الدستورية للرئيس محمد عبد الله فرماجو في 7 فبراير 2020 والذي فشل كأسلافه في قيادة البلاد إلى أجواء تسمح بإجراء انتخابات مباشرة كما ينص الدستور الوطني المؤقت. ويُعتقد أن العلامة الفارقة قد تكون فشل النظام الحالي في إجراء حتى الانتخابات غير المباشرة الأمر الذي يحول دون تنفيذ خارطة الطريق المستقبلية لاستكمال مسيرة بناء مؤسسات الدولة، وأهمها مراجعة الدستور الفيدرالي المؤقت،بناء القوات المسلحة، تحقيق المصالحة الوطنية، حسم وضع العاصمة، المفاوضات مع صوماليلاند، إعفاء الديون وعقد الانتخابات العامة في البلاد؛ وذلك بهدف تفادي اندلاع الخلافات السياسية التي تقوض أي تقدم تم إحرازه حتى الآن والحفاظ على المكتسبات الوطنية التي تحققت في السنوات الأخيرة على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

المراجع

  1. مؤتمر مقديشو التشاوري والتوافق على النموذج الانتخابي

https://somaliacenter.com/2020/09/26/مؤتمر-مقديشو-التشاوري-والتوافق-على-ال/،مركز الصومال للبحوث ودراسة السياسيات

2. التوصل لآليات تنفيذية وخارطة طريق لاقتراع مباشر في الصومال

https://somaliacenter.com/2021/05/27/التوصل-لآليات-تنفيذية-وخارطة-طريق-لاق/, مركز الصومال للبحوث ودراسة السياسيات

3. تراجع دور المجتمع الدّولي وتأثيراته على الأوضاع السياسية والأمنية في الصومال

https://alsomal.net/تراجع-دور-المجتمع-الدّولي-وتأثيراته-ع/، الصومال الجديد

4. As Farmaajo digs in with Qatari backing, Somalia’s election crisis grows worse

https://www.mei.edu/publications/farmaajo-digs-qatari-backing-somalias-election-crisis-grows-worse

5. الصومال في مأزق سياسي وأمني جديد،مُستجدّات ورُؤى سويسريّة،

https://www.swissinfo.ch/ara/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%A3%D8%B2%D9%82-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%88%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF/46930898

6. حديث الانتخابات الصومالية، آدم حسين، العربي الجديد

https://www.alaraby.co.uk/opinion/%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9

محمد عبد الله غوسار

محمد أحمد عبد الله غوسار باحث وكاتب صحفي، حاصل على البكالاريوس في علوم السياسة، وماجستير في العلاقات الدولية. عمل سابقا في مكتب قناة الجزيرة في الصومال. وكتب العديد من البحوث والدراسات حول شؤون القرن الإفريقي، وهو الآن مرشح لعضوية مجلس الشعب في البرلمان الصومالي.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. قراءة مهمة وعميقة والاهم كذك الكتابة باللغة العربية لاطلاع القاري العربي على المشهد الصومالي نظرا لندرة ماينشر عن الصومال بهذا المستوى من التحليل الرصين والعميق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى